نبيل - القدس
الا ان مجرد القراءة والمتعة الفكرية لن يكون له اي تاثير في من يتابع هذه المواضيع الا اذا تم التفكر والتدبر بها وفهم واقعها بدقة

نبيل - القدس

البوابةالرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
ابرز المواضيع - اضغط على الكتابة

شجرة العشاق وثمرة الأشواق - نبيل القدس

اعذب الكلام قسم الشعر

قضايا للمناقشة

اعلام وشخصيات

براعم المنتدى - اطفالنا

إبداعات الأعضاء - أشعار وخواطر
معرض الصور

غناء عراقي
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث


 

المواضيع الأخيرة
» خواطر حول علاقة الدين بالبشر
اليوم في 5:09 am من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة التاسعة من سلسلة وقفات مع الذكر =9
أمس في 2:52 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الـهـــزيـــمـة...
أمس في 6:42 am من طرف نبيل عودة

» البيع الرابح
2016-12-07, 11:19 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الثامنه من سلسلة وقفات مع الذكر
2016-12-07, 9:59 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» قهوة المساء..الكلمة
2016-12-07, 1:49 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة السابعة من وقفات مع الذكر-7-
2016-12-07, 2:06 am من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة السادسة من وقفات مع الذكر-56-
2016-12-06, 11:51 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» في غزة إنجاز رغم الحصار - بقلم: ماجد الزبدة
2016-12-06, 6:30 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» معلومات عن كلاب كنعاني - د جمال بكير
2016-12-06, 5:12 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الخامسة من سلسلة مقفات مع الذكر-5-
2016-12-06, 3:18 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» القدس تنادي - كلمات نادية كيلاني
2016-12-06, 1:14 am من طرف نادية كيلاني

» الحلقة الرابعة من سلسلة وقفات مع الذكر
2016-12-05, 11:52 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» يدور الزمن - الشاعرة نهلة عنان بدور
2016-12-05, 8:24 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» عيناها بحر من الحنان - نورهان الوكيل
2016-12-05, 8:19 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الثالثة من سلسلة وقفات مع الذكر=3
2016-12-05, 6:50 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» هذا بلاغ للناس
2016-12-05, 6:45 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الاولى من سلسلة وقفات مع الذكر
2016-12-04, 9:20 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» بين شريعة الله وشرائع البشر
2016-12-03, 11:15 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

»  دروس في النحو العربي - رشيد العدوان دروس في النحو العربي - نقله إيمان نعيم فطافطة
2016-12-03, 10:19 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

» الحلقة الثالثة من سلسلة ربط العبادات بالمعتقد والسلوك
2016-12-03, 10:12 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

»  الليل يسكن مقلتي في كل حين - الشاعر محمد ايهم سليمان
2016-12-03, 10:08 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

» 17 مليون عربي في شتات اللجوء و النزوح و الأنتهاك !
2016-12-03, 9:59 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» اعادة نشر سلسلة ربط العبادات بالسلوك والمعتقد=الحلقة الاولى
2016-12-03, 9:53 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

» من هو "الذي عنده علم من الكتاب" وأحضر عرش ملكة سبأ ؟
2016-12-02, 8:14 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» عجائب وغرائب - الجزائر تكتشف رسميا حقيقة سكان الفضاء وجهاز السفر عبر الزمن (حقيقي)
2016-12-02, 5:35 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» مفهوم ومعنى المقياس
2016-12-02, 4:27 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» راشد الزغاري مثال الفلسطينيين المنسيين في سجون العالم - بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
2016-12-02, 10:25 am من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» اعلام المجرمين مسيرته ودعواه واحدة
2016-12-01, 10:45 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة الثامنه عشرة من سلسلة ربط العبادات بالسلوك والمعتقد
2016-12-01, 10:38 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

المواضيع الأكثر شعبية
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
صباح الخير- مسا الخير-منتدانا -النبيل- بعيونكم ولعيونكم صباح الخير-سلام الله عليكم -مساء الخير -ليلة سعيدة ///سعيد الاعور 29.02.2012
صورة اعجبتني لنجعلها صفحة لكل من عنده صورة مميزة او كريكاتير او منظر رائع ومميز/سعيد الاعور
حكم شعراء وكتاب وفلاسفة في الحياة -ومن الحياة-حكمة اعجبتني/سعيد الاعور
سجل حضورك اليومي بالصلاه على نبي الله
نبذة عن حياة الشاعر وليد محمد الكيلاني - زهرة اللوتس المقدسية
صفحة الاستغفار اليومي لكل الاعضاء ـ لنستغفر الله على الاقل 3 مرات في الصباح والمساء//سعيد الاعور
اجمل دعاء-التقرب الى الله -ادعية مختارة تفرح القلوب وتريحها-اذكار الصباح -اذكار المساء /سعيد الاعور
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
مقهى المنتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 16 عُضو متصل حالياً :: 1 أعضاء, 0 عُضو مُختفي و 15 زائر :: 2 عناكب الفهرسة في محركات البحث

محمد بن يوسف الزيادي

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 720 بتاريخ 2011-02-21, 11:09 pm
تصويت
المواضيع الأكثر نشاطاً
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
سجل حضورك اليومي بالصلاه على نبي الله
مقهى المنتدى
تعالو نسجل الحضور اليومي بكلمة في حب الله عز وجل
صورة اعجبتني لنجعلها صفحة لكل من عنده صورة مميزة او كريكاتير او منظر رائع ومميز/سعيد الاعور
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
صفحة الاستغفار اليومي لكل الاعضاء ـ لنستغفر الله على الاقل 3 مرات في الصباح والمساء//سعيد الاعور
صباح الخير- مسا الخير-منتدانا -النبيل- بعيونكم ولعيونكم صباح الخير-سلام الله عليكم -مساء الخير -ليلة سعيدة ///سعيد الاعور 29.02.2012
سجل حضورك اليومي بالصلاه على نبي الله
مدينة القدس زهرة المدائن وبلداتها وقراها بالصور فقط /المهندس سعيد الاعور
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
نبيل القدس ابو اسماعيل - 31599
 
زهرة اللوتس المقدسية - 15403
 
معتصم - 12431
 
sa3idiman - 3588
 
لينا محمود - 2667
 
هيام الاعور - 2145
 
بسام السيوري - 1764
 
محمد بن يوسف الزيادي - 1681
 
محمد القدس - 1207
 
العرين - 1193
 
أفضل 10 فاتحي مواضيع في المنتدى
نبيل القدس ابو اسماعيل
 
محمد بن يوسف الزيادي
 
زهره النرجس
 
زهرة اللوتس المقدسية
 
معتصم
 
معمر حبار
 
هيام الاعور
 
sa3idiman
 
لينا محمود
 
محمود تركي
 
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 928 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو بنت فلسطين فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 55172 مساهمة في هذا المنتدى في 12334 موضوع
عداد الزوار

شاطر | 
 

 المجاز اللغوي - نسرين محمد حسن التومى.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نبيل القدس ابو اسماعيل
المدير العام
المدير العام


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 31599
تاريخ التسجيل : 18/03/2009

مُساهمةموضوع: المجاز اللغوي - نسرين محمد حسن التومى.    2014-04-18, 11:25 am


المجاز اللغوي

نسرين محمد حسن التومى.
(المجاز اللغوي)

تعريف الحقيقة، وبيان أقسامها باعتبار المصطلح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
فبعد أن فرغنا من الحديث عن التشبيه نعرض لمعنى وأقسام المجاز اللغوي، والفرق بينه وبين التشبيه محذوف الوجه والأداة المسمى بالتشبيه البليغ، أو محذوفهما مع المشبه، وبينه كذلك وبين المجاز العقلي، وبينه وبين الكناية؛ فالفروق بين هذه الألوان من البيان من الأهمية بمكان، ومن المعلوم أن المجاز هو قسيم الحقيقة؛ ولذا ناسب قبل أن نعرف بالمجاز اللغوي أن نعرف أولًا بالحقيقة اللغوية.
فما المراد إذن بالحقيقة اللغوية؟
الحقيقة في اللغة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويُعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة: الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عُدم هذه الأوصاف؛ كانت الحقيقة البتة هذا كلام ابن منظور في كتابه (لسان العرب) في معنى كلمة حقيقة، والحقيقة والمجاز إذا أُطلقا انصرفا إلى الحقيقة اللغوية والمجاز اللغوي، ولا يحتاجان إلى تقيدهما باللغويين، إلا في مقام المقارنة بينهما وبين الحقيقة العقلية، والمجاز العقلي، للتفرقة بينهم.
أما في اصطلاح البلاغيين فالحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما وُضعت له في الاصطلاح الذي جرى به التخاطب، فلفظ الأسد مثلًا إذا استعمل في الحيوان المفترس كان حقيقة لاستعماله فيما وضع له، ونلاحظ في التعريف أن الكلمة قد قيدت بثلاث قيود:
أولها: كونها مستعملة؛ لأن الكلمة المهملة التي وضعها الواضع ولم تستعمل لا تدخل معنا في اللغة، فلا تسمى حقيقة، كما لا تسمى مجازًا.



ثانيها: هو قولهم "فيما وضعت له"، فقد خرج بهذا القيد الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في جميع الاصطلاحات اللغوية والشرعية والعرفية، فإنها تكون مجازًا، وخرج بهذه الكلمة أيضًا الخطأ اللساني، وهو ما استعمل في غير ما وضع له خطأ، كقولك مثلًا لصاحبك: خذ هذا الفرس مشيرًا إلى كتاب، فمثل هذا لا يسمى حقيقة؛ لاستعماله في غير ما وضع له، ولا يسمى مجازًا؛ لعدم وجود علاقة بين الفرس والكتاب، والمراد بالوضع هنا دلالة اللفظ على معناه بنفسه من غير قرينة؛ فدلالة اللفظ على معناه المجازي ليست وضعية؛ لاحتياجه إلى القرينة المانعة من إرادة المعنى الوضعي، ودلالة المشترك اللفظي على أحد معنييه الموضوعين له وضعية؛ لأن القرينة التي احتاج إليها المشترك اللفظي قرينة معينة لأحد المعنيين الموضوع لهما اللفظ لغة، وليست كقرينة المجاز المانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ثالث هذه القيود التي ذكرت في تعريف الحقيقة اللغوية قولهم "في اصطلاح التخاطب": فقد خرج بذلك الكلمة التي يستعملها اللغوي في غير ما وضعت له في اصطلاحه، كالصلاة مثلًا يستعملها الشرعي في الدعاء، فهي مجاز بحسب اصطلاحه، وإن كانت حقيقة في الاصطلاح اللغوي.
هذا وتنقسم الحقيقة باعتبار المصطلح الذي ترجع إليه إلى أربعة أقسام:
فهناك الحقيقة اللغوية.
هناك الحقيقة الشرعية.
هناك الحقيقة العرفية الخاصة.
وهناك الحقيقة العرفية العامة.

(1/126)

الحقيقة اللغوية: هي ما وضعها واضع اللغة، ودلت على معنى مصطلح عليه في تلك المواضعة، كاستعمال لفظ الإنسان والفرس والجبل إلى غير ذلك من الألفاظ في معانيها الموضوعة لها في عرف اللغة.
أما الحقيقة الشرعية: فهي اللفظة التي يضعها أهل الشرع لمعنى غير ما كانت تدل عليه في أصل وضعها اللغوي، كالصلاة، والزكاة، والسجود، والركوع، والكفر، والإيمان، والإسلام؛ فهذه الألفاظ نُسيت معانيها اللغوية، ودلَّت بالشرع على معانٍ أخرى صارت فيها حقائق شرعية، ومرجع الدلالة فيها إلى اصطلاح أرباب الشرع.
الحقيقة العرفية الخاصة: هي ما كان مرجع الدلالة فيها إلى عرف خاص كاستعمال لفظ المبتدأ والخبر، والفاعل، والمفعول، والرفع، والنصب إلى غير ذلك في معانيها المصطلح عليها في عرف النحويين؛ فقد صارت هذه الألفاظ حقائق في معانيها التي اصطلح عليها نحويًّا، ونسي النحاة معانيها اللغوية، وكذا استعمال الاستعارة والتشبيه والمجاز عند البلاغيين، والعرض والجوهر عند المتكلمين، وهكذا أهل كل فن وصناعة.
أما الحقيقة العرفية العامة: فهي ما كان مرجع الدلالة فيها إلى عرف عام كاستعمال لفظ الدابة عند كثير من الناس في الدلالة على الحيوان، فهي موضوعة في أصل اللغة؛ للدلالة على كل ما دبَّ على وجه الأرض قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (هود: 6)، فصار استعمالها في الدلالة على الحيوان حقيقةً في عرفهم، ولو أطلقوها على معناها الوضعي لكانت مجازًا عند أرباب هذا العرف العام، هذا عن الحقيقة في معناها اللغوي والاصطلاحي.

(1/127)

تعريف المجاز
أما المجاز: فهو إن كان بمعنى الجواز والتعدية من: جاز المكان يجوزه إذا تعدَّاه وقطعه؛ فالكلمة تكون مصدرًا ميميًّا على وزن مَفْعَل، وقد سميت به الكلمة التي جازت مكانها الأصلي، وتعدته لغيره، أو التي جاز بها المتكلم معناها الأصلي إلى غيره.
أما إن كان بمعنى مكان الجواز والتعدية من قولهم: "جعلت هذا مجازًا إلى حاجتي" أي: طريقًا إليها، فهو من جاز المكان أي: سار فيه وسلكه إلى كذا، لا من جازه إذا تعداه، فيكون لفظ المجاز اسم مكان، وقد أطلق على الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له باعتبار أنها طريق إلى تصور المعنى المراد منها.
والمجاز اللغوي في اصطلاح البلاغيين: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، فخرج بالكلمة المستعملة الكلمة قبل الاستعمال، فإنها لا تسمى حقيقة ولا تسمى مجازًا على نحو ما مر بنا في تعريف الحقيقة، وخرج بغير ما وضعت له الحقيقة؛ فإنها مستعملة فيما وضعت له.
وقولنا "في اصطلاح التخاطب": إشارة إلى أن المعتبر في تحديد المجاز أو الحقيقة هو الاصطلاح الذي يقع به التخاطب؛ فالشرعي مثلًا إذا استعمل لفظ الصلاة في الدعاء كانت مجازًا، وإذا استعملها في الأركان الخاصة كانت حقيقة في عرفه، والبلاغي إذا استعمل الكناية في الستر والخفاء؛ كانت مجازًا، ولفظ الدابة إذا استعمل عند أرباب العرف العام في الدلالة على الإنسان كان مجازًا، وإن كانت مستعملة فيما وضعت له في اصطلاح أهل اللغة.


وقولنا "على وجه يصح": إشارة إلى وجوب العلاقة الرابطة بين المعنى المجازي والمعنى الذي وضع له اللفظ، وخرج بذلك الغلط اللساني، كأن تشير إلى حجر، وتقول لشخص مثلًا: خُذ هذا الفرس، فاستعمال لفظ الفرس لا يُسمى مجازًا؛ لأنه لا علاقة بين الحجر والفرس، والقرينة في التعريف هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلًا على أنه المراد باللفظ غير المعنى الموضوع له، وتقييدها بالمانعة احترازًا عن الكناية؛ لأن قرينتها لا تمنع إرادة المعنى الأصلي مع المعنى الكنائي.

المجاز بين التقرير والإنكار
قد كان المجاز قديمًا وحديثًا مثار نقاش حادٍّ بين أهل العلم، فقد ذهب بعضهم إلى أن اللغة كلها حقيقة، ويُنكرون المجاز على الإطلاق، ويذهبون إلى أنه غير وارد في القرآن، ولا في كلام الناس، وحجتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزَّه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة، ويزعم آخرون أن أكثر اللغة عند التأمل مجاز لا حقيقة، وقولنا قام زيد -مثلًا- مجاز؛ لأن زيدًا لم يفعل كل القيام، بل فعل بعضه، فهو من وضع الكل موضع البعض؛ للاتساع والتوكيد، ولذا يقال: قام قومة وقومتين، وقيامًا حسنًا وقيامًا قبيحًا، وكذا قولنا ضربت زيدًا، مجاز أيضًا؛ لأن القائل فعل بعض الضرب لا كله، ولأنه ضرب بعض زيد لا جميعه، فقد ضرب يده، أو رجله أو ناحية من نواحي جسده، ولهذا فإنه إذا احتاط جاء ببدل البعض، فيقول: ضربت زيدًا رأسه، أو كتفه، وهذان الرأيان مبنيان على خطأ في التصور، وعلى كثير من التدقيق الذي تنفر منه طبيعة هذه اللغة، ويتضح ذلك فيما يلي:



أولًا: أن المجاز قد ورد في اللغة وفي القرآن الكريم، فنحن نقول مثلًا: رأيت أسدًا، وتريد رجلًا شجاعًا، والله -عز وجل- يقول: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف: 82)، ويقول: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} (الإسراء: 24) والقرية لا تسأل، وليس للذل جناح، فالمعنى على المجاز.
ثانيًا: أن المجاز يُفارق الكذب، في أن الكذب لا تأويل فيه، والمجاز مبني على الصرف عن الظاهر والتأويل، وذلك بادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، وصيرورته فردًا من أفراده.
كما أن المجاز لا بد فيه من نصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر من اللفظ مانعة من إرادة المعنى الحقيقي له. أما الكذب فليس فيه قرينة على إرادة غير الظاهر، بل إن قائله يبذل قصارى جهده لترويج ظاهره، وإبراز صحة باطله.
ثالثًا: أن القائلين بأن أكثر اللغة مجاز قد بنوا رأيهم على كثير من التدقيق الذي تنفر من طبيعة اللغة؛ لأنه تدقيق لا يصل بنا إلى غاية مرجوُّة، ولو قلنا -مثلًا- مرض زيد، أفادت هذه الجملة الإخبار بمرض زيد، ولو ذهبنا ندقق أي مرض أصابه، وأي جزء منه مرض، وإذا كان الجزء المريض من زيد هو الإصبع، فأي موضع منه، وأي أصبع من أصابعه، وهل كل الإصبع، أم إحدى أنامله؟
للاحظنا أن هذا تدقيق لا غاية وراءه، ولا فائدة ترتجى منه، بل إن طبيعة اللغة وعفوية الدلالة تتنافى معه وتأباه تمامًا، وبهذا يتضح لنا أن إنكار الحقيقة في اللغة إفراط، وإنكار المجاز تفريط؛ فالمجازات لا يمكن دفعها، والحقائق لا يتأتى إنكارها، الرأي السديد هو أن اللغة والقرآن الكريم يشتملان على الحقائق والمجازات معًا، فما كان من الألفاظ مفيدًا لما وضع له في الأصل فهو حقيقة، وما



أفاد غير ما وضع له في الأصل فهو مجاز، والمقام هو الذي يُحدِّد ما يقتضي استعماله من حقائق، أو العدول عنها إلى المجازات.
وبرأيي أن السبب في إنكار المجاز: مرجعه إلى القول بوجود المجاز فيما يتعلق بصفات الله تعالى، وصرفها عن ظاهرها، وقد قال بذلك أهل الكلام مقلّدين في ذلك المعتزلة، وانساق وراء أهل الكلام فيما ذهبوا إليه -للأسف- علماء البلاغة، وقد تصدى ابن قتيبة المتوفى سنة 276 لعلماء الكلام، وبخاصة المعتزلة المبالغين في المجاز، والمغالين في التأويل، فيحكي عنهم وجهتم في المجاز، ومقالتهم في التأويل، فيقول: ذهب قوم في قول الله -عز وجل- وكلامه إلى أنه ليس قولًا، ولا كلامًا على الحقيقة، وإنما هو إيجاد للمعاني، وصرفه في كثير من القرآن إلى المجاز، ثم ينقل بعض أقوالهم في هذا مع شواهدها من الشعر مثل قوله تعالى للسموات والأرض: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت: 11) فلم يقل الله، ولِمَ يقولُ: وكيف يخاطب الله معدومًا، وإنما هي عبارة لتكوينهما فكانتا، كما قال الشاعر حكاية عن ناقته:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهكذا دينه أبدًا وديني
أكل الدهر حلٌّ وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني
معنى كلمة درأت أي: بسطت، والوضين هو بساط عريض من شعر يقولون: وهي -أي الناقة- لم تقل شيئًا من هذا، ولكن رآها في حال من الجهد والكلال، فقضى عليها بأنها لو كانت ممن يقوله لقالت مثل الذي ذكرت، واستدلوا كذلك بقول آخر:
شكى إلي جملي طول السرى


والجمل لم يشكُ ولكنه خبر عن كثرة أخباره، وإتعابه جمله، وقضى على ذلك الجمل بأنه ولو كان متكلمًا لاشتكى ما به، وكقول عنترة مثلًا في فرسه:
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكى إلي بعبرة وتحمحم
لما كان الذي أصابه يُشتكى مثله، ويستعبر منه جعله مشتكيًا ومستعبرًا، وليس هناك شكوة ولا عبرة، ففي رأيهم أن السماء والأرض من مخلوقات الله الصامتة الجامدة التي لا تنطق ولا تبين، لكنها لو كانت ممن ينطق لنطقت، وكانت في الانقياد والخضوع كالحي المتكلم، وناقة يراها الشاعر ويعاين ما عليها من أثر التعب والعناء، فيشعر ما رثاثة حالها بأنها لو تكلمت لجأرت إليه بالشكوى، ورفعت صوتها بالدعاء، عنترة يرى ما أصاب فرسه من الطعان، وما نال صدره من السهام؛ فيرسل الفرس صهيله، ويطلق عويله، وكأنه يشكو الوجع، ويتبرم من الألم، وللرد على ذلك نقول: إن هذا لون من ألوان التصوير يمكن أن نسميه التشخيص يتمثَّل في خلع الحياة على المواد الجامدة، والظواهر الطبيعية هذه الحياة التي ترتقي فتصبح حياة إنسانية، ويهب لهذه الأشياء كلها عواطف آدمية، وخلجات إنسانية تشارك بها الآدميين، وتأخذ منهم وتعطي.
هذا الكلام السابق ذكره الشيخ سيد سابق في كتابه (التصوير الفني في القرآن الكريم)، ونحن حينما نحلل هذا التشخيص نرى أن هناك تشبيهًا مضمرًا في النفس؛ نتيجة لعمق العاطفة وسعة الخيال، فمثلًا في الآية القرآنية {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت: 11) شُبهت السماء والأرض في انقيادهما وخضوعهما وطاعتهما لله بإنسان يتميز بصفة القول، والإتيان، ودلَّ على هذا التشبيه بإثبات لازم المشبه به، وهو القول والإتيان للمشبه، ودلَّ على هذا التشبيه بإثباته لازم المشبه به، وهو القول والإتيان للمشبه، وهذا ما عُرف بالاستعارة بالكناية، وإسناد القول والإتيان إليهما قرينة الاستعارة، وأطلق البلاغيون على تلك القرينة استعارة تخييلية.



كذلك في أبيات الشعر شبه الجمل بإنسان له خاصية التمييز والشكوى، ودلَّ على هذا التشبيه بإثبات لازم المشبه به، وهو القول والشكوى للمشبه وإسناد القول والشكوى إلى الجمل قرينة مكنية، وقد سميت استعارة تخييلية.
إذن فهذا مخرج من هؤلاء الذين أنكروا أن يكون الله -عز وجل- لم يخاطب السموات والأرض، ولم يقل لهما: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}، فإذا بالرد {أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.
فالاستعارة بالكناية هي التشبيه المضمر في النفس المتروك أركانه سوى المشبه، المدلول عليه بإثبات لازم المشبه به للمشبه، هذا الفهم الذي فهمه المعتزلة، وهذا التأويل الذي اتجه إليه أهل التفكير منهم، والذي تصدى لهم بسببه ابن قتيبة وغيره من علماء أهل السنة، كان الهدف منه توضيح الطريقة السليمة؛ لفهم أساليب القرآن حتى لا تخرج عن أصل وضعها، وبيان أن القرآن لم يكن في ذلك بدعة، بل قد جرت أساليب الشعر على ذلك، وخرجت عن أصل وضعها لهذا الهدف، وقد فهم العرب المراد منها على هذا الوضع دون لبس أو خفاء.
وبهذا التأويل ظهرت الأساليب في صورة تشخيصية صورت الجمادات والحيوان إنسانًا له إرادة، وقوة، وشكاية، وكل ما كان يعنيهم أن يلفتوا النظر إلى أن من أساليب القرآن ما يجب أن يُدركه التأويل، وتخرج عن أصل وضعها حتى يُفهم معناها، ويُعرف المراد منها، ولم يدر بخلدهم أن هذا الخروج يسمى استعارة تصريحية، أو مكنية، وظلَّ هذا التفكير ينمو ويتزايد دون أن يضعوه تحت اسم معين، حتى كان الإمام عبد القاهر الجرجاني، فأشار إلى الاسم، وألمح إلى طريقة فهمها فقال تعليقًا على قول لبيد العامري في معلقته:
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
فالقرة في البيت هي الريح، والشمال إنما هو نوع من الريح يأتي من جهة معينة، فقد جعل للشمال يدًا، ومعلوم أنه ليس هناك مشار إليه يمكن أن تجري اليد عليه



كإجراء الأسد والسيف على الرجل في قولك: انبرى لي أسد يزأر، وسللت سيفًا على العدو لا يفل، والظباء على النساء في قوله مثلًا "من الظباء الغيد"، والنور على الهدى والبيان في قولك: "أبديت نورًا ساطعًا"، وكإجراء اليد نفسها على من يعز مكانه كقولك "أتنازعني في يد بها أبطش، وعين بها أبصر"، تريد إنسانًا له حكم اليد وفعلها، وغناؤها ودفعها، وخاصة العين وفائدتها، وعزة موقعها، ولطف موضعها؛ لأن معك في هذا كله ذاتًا يُنص عليها، وترى مكانًا في النفس، وإذا لم تجد ذكرها في اللفظ.
وليس لك شيء من ذلك في بيت لبيد، بل ليس لك أن تخيل إلى نفسك أن الشمال في تصريف الغداة على حكم طبيعتها كالمدبر المصرف لما زمامه بيده، ومقادته في كفه.
وراح عبد القاهر يعرض من خلال كتابيه (أسرار البلاغة)، و (دلائل الإعجاز) نماذج، يعرض للمجاز وأنواعه بالتفصيل، وإن أُخذ عليه أحيانًا القول بالمجاز في صفات الله، وقد تأثر بهذا بالطبع كل من وليه من البلاغيين، وقد كان لي بحث في هذا، فصلت فيه القول، ورددت فيه على البلاغيين قولهم بالمجاز في صفات الله -عز وجل- أرجو من كل معنيٍّ بهذه القضية أن يتناول هذا الكتاب بالقراءة، فإنه مهم في بابه.

أقسام المجاز اللغوي باعتبار الإفراد والتركيب
هذا وينقسم المجاز اللغوي باعتبار الإفراد والتركيب إلى قسمين:
القسم الأول: هو المجاز المفرد، وهو ما كان اللفظ المتجوز به مفردًا كقوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} (البقرة: 19) أي: أناملهم، وكما في قول أبي تمام مادح:
يا ابن الكواكب من أئمة هاشم ... والردح والأحساب والأحلام



فالمراد بالأصابع في الآية الأنامل، والمراد بالكواكب في البيت آباء الممدوح.
والقسم الثاني من المجاز: هو المجاز المركب، وهو ما كان اللفظ المتجوز به مركبًا نحو: ما لي أراك تقدم رجلًا، وتؤخر أخرى، فالمراد تردده في الأمر فهو يقبل عليه مرة، ويتراجع عنه مرة أخرى.
فالمجاز المركب إذن: هو التركيب المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة بين المعنى الموضوع له التركيب، وبين المعنى المستعمل فيه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. فإذا كانت العلاقة المشابهة سُمي المجاز استعارة تمثيلية، وإن كانت غير المشابهة سُمي مجازًا مركبًا مرسلًا، والمراد بالوضع هنا ما تُعرف على فهمه من التركيب.
ويتضح من هذا أن المعنيين في المجاز المركب، وهو المعنى الأصلي الذي دلَّ عليه التركيب دلالة حقيقية، والمعنى المجاز الذي استعمل فيه وأريد منه كلاهما يكون هيئة منتزعة من أمرين، أو من أمور عدة، وهذا هو الفرق بينه وبين المجاز المفرد؛ إذ المجاز المفرد يكون في الكلمة المفردة، فمعنياه الأصلي والمجازي مفردان، كما أن اللفظ الذي تجوُّز فيه مفرد.
يندرج -كما قلنا- تحت مسمى المجاز المركب الاستعارة التمثيلية، فيما كان علاقته المشابهة، والمجاز المركب المرسل فيما لم تكن علاقته المشابهة، وعلى ذلك فالاستعارة التمثيلية هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة كقولك للرجل يتشدد في الأمر الصغير، ويتسامح في الأمر الخطير، أراك تنفق الدينار وتحرص على الدرهم، شبهت حالته في تمسكه بصغائر الأمور وتسامحه في جسامها، بحال من يبدد الدينار ويحرص على الدرهم، بجامع أن كلًّا منهما يترك ما ينفع إلى ما هو قليل النفع، ثم استعير التركيب الدال على



المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية تُفهم من سياق الكلام.
من ذلك قولك لمن يتردد في الأمر: ما لي أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، قد سبق أن ذكرناه، فقد شبهت صورة المتردد في الأمر بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فهو تارة يريد الذهاب، فيقدم رجلًا، وتارة لا يريد فيُحجم ويتأخر، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية التمثيلية، والاستعارة التمثيلية كثيرة الاستعمال في كلام العرب نثره وشعره، وفي القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف، فمن ذلك قولهم للرجل مثلًا يبذل جهده في عمل لا يُثمر شيئًا: أراك تنفخ في رماد، وتضرب في حديد بارد، وتخط على الماء، مثلوا حاله بحال من ينفخ في الرماد، فلا يخرج نارًا، ومن يضرب في حديد بارد فلا يتشكل بالشكل الذي يريد، ومن يخط على الماء فلا يترك أثرًا.
ومنها قولهم للرجل يحتال على صاحبه حتى يصرفه عن الأمر الذي يتمسك به: "ما زال يفتل له في الذروة والغارب حتى لان" الذروة هو سنام الجمل، والغارب هو العنق، "وما زال ينزع القرادة من البعير حتى سكن" مثلوا حاله مع صاحبه بحال من يحتال على البعير الهائج بحك شعر سنامه، وما يليه إلى العنق؛ حتى يهدأ، وبحال من ظل ينزع القرادة من البعير حتى سكن.
ومنها قولهم لمن يُقدم النصح للذي لا يفهمه، أو للذي لا يعمل به: لا تنثر الدر أمام الخنازير، مثلوا حاله بحال من يضع الدر أمام الخنازير، بجامع أن كليهما لا ينتفع بالشيء النفيس الذي ألقي إليه، ومنها قول المتنبي يُمثل حال من عابوا شعره؛ لأنه لم يرزقوا الذوق السليم لفهم الشعر الرائع، والنظم العجيب الذي يقوله:


ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الذلال
فهو هنا مثل حالهم في عدم فهمهم لشعره، واستشعارهم لمعناه بحال المريض الذي لا يستسيغ الماء الزلال؛ لمرارة يحس بها في حلقه، مع فساد الذوق المفضي إلى قلب ما هو مستساغ إلى خلاف ذلك، ومن الاستعارات التمثيلية أيضًا قول بعضهم:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيَّده الضرغام فيما تصيد
وقول الآخر يمثل حال من يضيع الأموال التي ورثها؛ لأنها آلت إليه بلا تعب:
ومن ملك البلاد بغير حرب ... يهون عليه تسليم البلاد
ومنها قول ابن ميادة يمثل حال إكرام الممدوح له وحال إهانته إياه:
ألم أكُ في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدك في شمالك
وقول الآخر يمثل حال الرجل الذي لا يقول إلا حقًّا، ولا يخبر إلا بالصدق:
إذا قالت حزام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حزام
ومنها قول الشماخ يمثل حال عرابة في حرصه على المجد واعتزازه به، وإقدامه عليه، وسموه إليه، واقتداره على نيله:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرينة
إذا ما راية رُفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
ولا يخفى عليك أن الشبه مأخوذ من مجموع التلقي واليمين على حد قولهم "تلقيته بكلتا اليدين" كل هذه أمثلة للتشبيه المركب الذي يدخل تحت الاستعارة التمثيلية، ومن شديد ما يؤسف له أن البلاغيين أدخلوا في هذا مثل قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: 67)، وقالوا: إن هذه الآية الكريمة مثلت حال



الأرض يوم القيامة، والله -عز وجل- يتصرف فيها بأمره، وقدرته تغييرًا وتبديلًا بحال الشيء يكون في قبضة الإنسان، يتصرف فيه كيف يشاء، والقول في الآية بالمجاز.
وعلى هذا النحو إنما يعد إنكارًا لصفة من صفات الله -سبحانه وتعالى- وهي القبضة، وهذا يعكر عليه حتى على قول من جعل مفردات الألفاظ في اللغات اصطلاحية، ليس انعدام القرائن الدالة على صرف اليد في حق الله عن الحقيقة إلى المجاز فحسب، بل دلالة القرائن على استعمال اليد في حقه تعالى على الحقيقة لا على المجاز، يشير إلى ذلك اطراد لفظها في موارد الاستعمال، وتنوع ذلك وتصريف استعماله الذي يمنع المجاز، ألا ترى إلى قوله تعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75)، وقوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: 67).
فلو كان لفظ اليد مجازًا في القدرة والنعمة لم يُستعمل منه لفظ يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الوارد بالحديث الصحيح، فلا يقال في هذا مثلًا: يد النعمة والقدرة، وكذا قوله -عليه السلام- ((يقبض الله سماواته بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك)) يقول ابن القيم: "فها هنا هزٌّ وقبض وذكر يدين، ولما أخبرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعل يقبض يديه ويبسطهما تحقيقًا للصفة لا تشبيهًا لها، كما قرأ {وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، ووضع يديه على عينيه وأذنيه تحقيقًا لصفة السمع والبصر، وأنهما حقيقة لا مجاز"، وقوله ((لما خلق الله آدم قبض بيديه قبضتين، وقال: اختر. فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين، ففتحهما فإذا فيها أهل اليمين من ذريته)) وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في ثبوت هذه الصفة لله -سبحانه وتعالى" هذا انتهى من كلام ابن القيم.
وفيه دلالة على أن القبض واليمين إنما هما في حق الله ليس تخييلًا ولا تمثيلًا، وإنما هما حقيقة في حق الله تليق بجلاله جل وعلا.



والحق أن ثمة إجماع على عدم جواز القول بالمجاز في صفات الله تعالى، نقله ونص عليه الإمام الخطابي والطرمبكي، وأبو عثمان الصابوني، والسجزي، وابن عبد البر، والحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني، وأبو بكر محمد بن موهب، وأكتفي هنا بما قاله إمام المذهب ألإمام أبو الحسن الأشعري -عليه رحمة الله- يقول في كتابه (مقالات الإسلاميين) بعد أن ذكر فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، وغيرهم تحت عنوان جملة "قول أصحاب الحديث وأهل السنة أن ضمن قولهم الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5) وأن له يدين بلا كيف، كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75)، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (المائدة: 64)، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} (القمر: 14)، وأن له وجهًا كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن: 27) وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، ويصدقون -أي: أهل السنة- بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر)) كما جاء في الحديث، ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر: 22)، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16) إلى أن قال: فهذا جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلى بالله".
وقد ذكر الدكتور عبد العظيم المطعني في كتابه (المجاز في اللغة والقرآن الكريم) قال: "فالمجاز لا حذر ولا خطر من وقوعه في اللغة، ولا حذر ولا خطر من وقوعه في القرآن الكريم، إلا الآيات التي تتحدث عن الأسماء والصفات، بل



الكلمات نفسها المستعملة في الأسماء والصفات، وليس كل القرآن أسماء وصفات، فلنحذره في كلمات الأسماء والصفات؛ لأن تأويلها مجازيًّا يؤدي إلى التعطيل، ولنطلق صراح المجاز فيما لا يؤدي فيه التأويل إلى تعطيل في أساليب اللغة كلها، وفي سائر آيات الكتاب إلا ما كان منه اسمًا من أسماء الله الحسنى، أو صفة من صفاته القدسية، وهذا هو الحق الذي يجب أن يُصار إليه لوجاهة السبب المفضي إليه، ونبل الغاية الداعية إليه".
هذا الكلام ذكره الدكتور المطعني في الجزء الثاني صفحة 1442، على أن لازم قول أهل التمثيل والتخييل أولئك الذين أبى شيخ البلاغة والزمخشري إلا أن يسلك سبيلهم في التجوز في صفات الله الخبرية، ويحشر نفسه معهم في قمع السمسمة كما يقولون: أن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق؛ إذ ليس في قولهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المقصود في صورة المحسوس، قالوا: ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا محايفًا، ولا مباينًا له، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، وهو كلام جاء في كلام البلاغيين، وأوجب لأجله التفويض والتأويل؛ لنفرت عقولهم من ذلك، ولم تصدق بإمكان هذا الموجود فضلًا عن وجوب وجوده، هذا كلام من الأهمية بمكان، حتى لا نقول بمثل القائلين بالتمثيل، أو التخييل في صفات الله -سبحانه وتعالى، أو التأويل.
من الاستعارات التمثيلية المقبولة والبعيدة عن إدخالها في صفات الله -سبحانه وتعالى- قول الله جل وعلا: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} (الأعراف: 154)، فقد عدَّها البعض من قبيل الاستعارة التمثيلية؛ حيث شبهت حال الغضب الذي أثار موسى بعض الوقت، ثم هدأ بحال رجل أثار غيره ثم سكت، بجامع التحول من حال إلى حال.



والأولى حمل الآية على الاستعارة المكنية مثل ذلك أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} (ق: 37)، فإننا نجد أن المقام يقتضي حمل الآية على الاستعارة التمثيلية؛ إذ المراد الحثُّ على النظر والتقريع على تركه، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالقلب العقل، ولكن البلاغيين لم يرتضوا هذا التفسير، وإن كان المرجع عند التحصيل إليه، وذلك لإخلاله بالمراد، وبيَّنوا أن الكلام مبني على تخييل أن من لم ينتفع بقلبه، فلا ينظر، ولا يعي، يكون بمنزلة من عدم قلبه جملة. وهذا يتفق مع ما تريده الآية من الحثِّ على النظر والتقريع على تركه.
من ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} (آل عمران: 103) حيث مثَّلت حال التمسك بدين الله، وعادي بحال المعتمد على حبل قوي يمنعه من السقوط، ومما جاء من الاستعارة التمثيلية في الحديث النبوي قوله -صلى الله عليه وسلم- ((إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ جعل الله ذلك في كفه فيربيها، كما يربي أحدكم فلوَّه))، فقد مثَّل الحديث حال الصدقة القليلة من الكسب الطيب عند الله -جل وعلا- في محبته لها، ورضاه عنها بالشيء المحبوب يوضع في اليد؛ اعتزازًا به وحرصًا عليه، ومن الاستعارة التمثيلية الأمثال السائرة الواردة عن العرب، فيستعار موردها لمضربها.
ومعلوم أن الأمثال لا تتغير، فيستعار موردها الذي قيلت فيه لمضربها الذي تضرب فيه بلا تغيير، ولا تبديل، من ذلك مثلًا قولهم "أحشفًا وسوء كيلة": يُضرب لمن يُظلم من جهتين، وأصل مورده أن رجلًا اشترى من آخر تمرًا، فوجده رديئًا وناقص الكيل، فقال: أحشفًا وسوء كيلة، فصار يضرب لمن ظلم من جهتين، هذه استعارة تمثيلية.



من أمثالهم في ذلك أيضًا قولهم "رمى عصفورين بحجر" يُضرب لمن يحتال فيدرك أمرين بتدبير واحد، ومنها "الصيف ضيعت اللبن" ويضرب لمن يطلب أمرًا بعد فوات الأوان، ومنها "وعند جهينة الخبر اليقين" ويُضرب لمن يعرف الشيء على حقيقته ووجهه، ومنها "أنك لا تجني من الشوك العنب" ويُضرب لمن يفعل الشر وينتظر مجازاته عيه بالخير، ومنها "قطعت جهيزة قول كل خطيب" يضرب لمن يأتي بالقول الفصل في مواضع النزاع، هذه التمثيلات المركبة -كما قلنا- إنما جاءت العلاقة فيها علاقة مشابهة، فهي إذن استعارة.
وهناك الضرب الثاني من ضربي المجاز المركب، وهو المجاز المركب المرسل: فهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة، من ذلك مثلًا قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} (آل عمران: 36) فالله يعلم ما وضعت، وامرأة عمران تعرف أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، فهي لم تُرد الإخبار بما وضعت، وإنما أرادت أن تُبدي حزنها وتحسرها؛ لعدم مجيئه ذكرًا، حيث كانت قد وهبته ونذرته لخدمة بيت الله، فهو إذن مجاز علاقته اللزومية؛ إذ يلزم من إخبارها بوضع الأنثى أنها حزينة متحسرة.
من ذلك قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 101) فقد أراد يوسف -عليه السلام- إظهار الغبطة والسرور، فهو مجاز مركب علاقته اللزومية أيضًا؛ إذ يلزم من إخباره بأن الله قد آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، إبداء سروره، وإظهار غبطته، والقرينة أن الله -عز وجل- عليم بذات الصدور، ويوسف يعرف أنه تعالى في غنًى عن إخباره، ولا تخفى عليه خفية.



هذا عن المجاز المركب، وعلى نحو ما تنوعت أساليب المجاز المركب إلى استعارة تمثيلية فيما كانت علاقته المشابهة، وإلى مجاز مرسل مركب فيما لم يكن كذلك نأتي للحديث عن المجاز المفرد؛ ليتبين لنا أنه هو كذلك يتنوع باعتبار المصطلح الذي يقع به التخاطب إلى أربعة أنواع:

المصطلحات التي تطلق على أنواع المجاز "مجاز الاستعارة"
فهناك المجاز اللغوي وهو الذي يعنينا، وهناك المجاز الشرعي، وهناك المجاز العرفي الخاص، والمجاز العرفي العام، على نحو ما مر بنا في تعريف الحقيقة، وهنا تتردَّد على ألسنة البلاغيين مصطلحات المجاز الاستعاري، أو الاستعارة، والمجاز المرسل، المجاز اللغوي، والمجاز العقلي، والسؤال فما الفرق بينها؟
نقول: أن الفرق بين الأولين أي: المجاز الاستعاري الاستعارة، والمجاز المرسل، يتمثَّل في نوع العلاقة، فما كانت علاقته المشابهة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، كقولنا: رأيت بحرًا يغترف الناس من كرمه، فالعلاقة بين البحر والرجل الكريم المشابهة في العطاء؛ كان هذا استعارة، وما كانت علاقته غير المشابهة كقولنا أمطرت السماء نباتًا؛ فالعلاقة بين النبات والغيث المسببية؛ إذ النبات مسبب عن الغيث.
قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} (البقرة: 19) فالعلاقة بين الأصابع والأنامل الكلية؛ إذ الأنملة جزء من الأصبع، كما أن هناك أقسامًا للمجاز باعتبار نوع التجوُّز، فإن كان نوع التجوز متصلًا بألفاظ اللغة، أو بما يجري مجراها من جهة خروجها عما وُضعت له في اللغة؛ فهو المجاز اللغوي، وإن



كان متصلًا بالإسناد أو التركيب، بإسناد الفعل إلى غير ما هو له في الحقيقة، كما في قول الشاعر مثلًا:
ستبدي لك الأيام ما كانت جاهلًا ... ........................
فهذا يسمى المجاز العقلي، إذن فالمجاز اللغوي إنما يتمثَّل في ألفاظ اللغة، واستعمالها في غير معناها.
أما المجاز العقلي: فإنما يكون في الإسناد، ويكون بإسناد الفعل، أو ما في معناه إلى غير ما هو له.
ونبدأ الآن بمشيئة الله تعالى بما يعنيه مجاز الاستعارة، فنقول: أن الاستعارة إنما تعني اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، أو يمكن أن نعرفها بالمعنى المصدري -كما يقولون- فنقول: هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ونذكر بعض الأمثلة في عجالة، ثم نفصل القول فيما بعد، مثلًا في قول الله تعالى في شأن المنافقين {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} (البقرة: 10)، فهنا نجد أنه استعار لفظ المرض من العلة الجسمانية للنفاق، والعلاقة هي المشابهة الحاصلة بين المرض والنفاق في أن كلًّا منهما يُفسد ما يتصل به، فالمرض يفسد الأجسام، والنفاق يفسد القلوب، والقرينة المانعة من إرادة المرض الجسماني؛ لأن الآية الكريمة مسوقة لذم المنافقين الذين أبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام، ولا معنى لأن يكون الذم في وصفهم بالمرض الجسماني، بل المراد ذمهم بفساد قلوبهم، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز في الآية الكريمة يُنبئ بتمكن النفاق، واستحكامه،



واستقراره في قلوب المنافقين حتى صار مرضًا مازج دماءهم، واستشرى فيها، ونذكر كذلك من هذا القبيل قول زهير:
لدى أسد شاك السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
حيث استعار لفظ الأسد للبطل الشجاع المدجج بالسلاح، وقد أضفت الصفات المذكورة "مقذف له لبد أظفاره لم تقلم" أضفت على المستعار له ألوانًا من القوة، وصنوفًا من البطولة الفائقة. وواضح لك أن المشبه في كلٍّ من الآية والبيت قد طوي، وطرح وذكر في مكانه المشبه به. إذن فهو من قبيل الاستعارة التصريحية، نذكر مثلًا على سبيل المثال من الاستعارة المكنية قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أطفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فقد جعل للمنية أظفارًا تنشبها في فريستها، حيث شبه بالسبع، وطوى المشبه به رامزًا له بشيء من لوازمه وهو الأظفار والأنشاب، اللذان أثبتهما للمشبه، وهذا الإثبات إنما هو قرينة الاستعارة المكنية، ويسمى بالقرينة، أو تُسمى هذه القرينة بالاستعارة التخييلية.
من هنا عرف الخطيب الاستعارة بقوله: "هي ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له" فهي مبنية على التشبيه، وقائمة عليه ومتضمنة له، كما رأيت في الشواهد التي سبق أن ذكرناها. والذي صرح فيها إلا بطرف واحد من طرفي التشبيه، فإن صُرِّح بلفظ المشبه به فهي تصريحية، وإن صُرح بلفظ المشبه وحذف المشبه به فهي استعارة مكنية.
وفيما يتعلق بما ينسحب عليه مفهوم ومدلول الاستعارة ثمة إشكال آخر، يتمثَّل هذه المرة فيما حُذف منه الأداة والوجه، وهو ما يُسمى بالتشبيه البليغ، أو حذفا



مع المشبه؛ إذ لاحظ البلاغيون أن هناك أمثلة يأتي فيها الطرفان، ولا يمكن درجها تحت التشبيه، كما في قولنا: فلان بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب، وأخرى حُذف منها أحد طرفي التشبيه، ولا يمكن إدخاله في باب الاستعارة، كما في قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (البقرة: 171) باعتبار أن المشبه المحذوف على نية التقدير، وثالثة ذُكر فيها الطرفان، ولا يمكن إدخالها في باب الاستعارة، أو التشبيه الصريح، كما في نحو قولنا لقيت بفلان أسدًا، وقابلت به بحرًا، ومن هنا اختلف البلاغيون في التشبيه البليغ، وهو الذي حُذفت أداته ووجه، أو لحق بهما المشبه على نية تقديره، وإرادته؛ فبعضهم عده تشبيهًا، وبعضهم جعله استعارة، وبعضهم فصل القول، فرأي الجمهور البلاغيين أن نحو قولنا: محمد أسد، وكان خالدًا أسدًا، وعلمت عليًّا بحرًا، وفر الجبان نعامة، ومررت بفتاة بدر، وقول المتنبي:
أسدٌ دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد
أي: أنت أسد وموت، وقول غيره:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... ..................................
يرون أن مثل هذا تشبيه بليغ، ويفرقون بينه وبين الاستعارة من عدة وجوه، فالمشبه به في التشبيه البليغ محكوم به على المشبه، وهذا لا يتأتَّى إلا عن طريق التشبيه؛ إذ يستحيل كون محمد أسدًا على الحقيقة، وهذه الاستحالة قرينة على أن مقصود المتكلم إثبات مشابهة محمد بحقيقة الأسد، لا إثبات حقيقة الأسد له. أما في الاستعارة، فالمشبه به محكوم عليه بغيره، وقولنا كلمت أسدًا، وغنت لنا ظبية، المشبه به وهو الأسد محكوم عليه.
ثانيها: أن التشبيه غرض مقصود لذاته في التشبيه البليغ؛ لإفادة المبالغة، وليس وسيلة لإفادة غيره، ولذا استحق اسم التشبيه. أما في الاستعارة فالتشبيه ليس



غرضًا مقصودًا لذاته، بل هو مقصود تبعًا؛ إذ هو وسيلة يُتوصل بها إلى جعل المشبه واحدًا من أفراد المشبه به، ولذا نتناساه ونتجاهله فيُطوى المشبه ويحذف.
ثالثها: أن المشبه في التشبيه البليغ مذكور في الكلام، إما لفظًا أو تقديرًا، أما في الاستعارة فيجب حذفه وطيه وتناسيه، ولذا كانت المبالغة في الاستعارة أقوى، والخيال أشد، فإذا قلنا: رأيت أسدًا يخطب الناس فقد يقع في الوهم قبل أن نقف على القرينة أن المراد الحيوان المفترس، وسرعان ما يندفع هذا التوهم بالقرينة، وذلك لا يتأتَّى في التشبيه البليغ؛ لوجود المشبه لفظًا أو تقديرًا، أو المحذوف وجه الأداة والمشبه هو عند الجمهور من التشبيه البليغ، ويرى بعض البلاغيين أن هذا الأسلوب -هو التشبيه المحذوف الوجه والأداة، أو الذي يقع مشبه به فيه خبر عن المبتدأ، أو في حكم الخبر، كما في الأمثلة التي مرت بنا، يرونه استعارة لا تشبيهًا.
ويحتجون بما في الاستعارة من المبالغة في دعوى الاتحاد بين المشبه والمشبه به، كما أن الحكم به عليه في نحو قولنا: محمد أسد، يرجع إلى أن لفظ أسد ليست مستعملًا في معناه الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس، بل هو مستعمل في معنى الجري، فحمله على محمد باعتبار أن محمدًا أحد أفراده الجريء، فهذا الحمل صحيح لاتحاد الحقيقتين، ومن ثم كان لفظ أسد استعارة، لا تشبيهًا.
يرى الإمام عبد القاهر أن الجمل التي يمكن دخول جميع أدوات التشبيه عليها، ويكون دخولها مقبولًا ومستساغًا، ويتحقق ذلك إذا كان المشبه به معرفة نحو: محمد الأسد، وهند شمس النهار، يمكننا أن ندخلها في باب التشبيه، فتقدير الكلام: محمد كالأسد، وكأن محمد أسد، وهو مثل الأسد، أما ما كان بالتشبيه أقرب، وهي تلك الجمل التي يحسن دخول بعض أدوات التشبيه عليها دون



البعض، وذلك إذا كان المشبه به نكرة نحو: زيد أسد، وهند بدر، فيحسن أن نقول: كأن زيدًا أسد، وكأن هندًا بدر، وخلته أسدًا، وعلمتها بدرًا يجد أن هذا إلى التشبيه أقرب.
أيُّ هذه الآراء أرجح؟ الجواب: هو رأي الجمهور، لأن التشبيه البليغ تشبيه، وليس باستعارة؛ حيث صرَّح فيه بطرفي التشبيه، وما يراه عبد القاهر من ترجيح إطلاق اسم الاستعارة على بعض صوره، وتحتيم إطلاقها على بعض يُمكن دفعه بأن الكلام فيها مبني على الخيال، وعلى تصور وجود أشياء خيالية، وأجناس جديدة تُضاف إلى الأشياء الموجودة، والأنماط المألوفة، فالمتنبي يتخيل دم الأسود خضابه، وموتًا فرائص الموت منه ترعد، ثم يشبه بهما ممدوحه إلى أخر ذلك.
إذن نخلص مما سبق: أن المجاز اللغوي موجود في اللغة وفي القرآن، والذي ينبغي إنكاره هو أن نجريه في نصوص الوحي كتابًا وسنة على ما ثبت في حق الله من صفات، وما ذلك إلا لكون هذه الصفات على ظاهرها، وعلى حقيقتها، وأنها تكون بالنسبة له على النحو اللائق به جل وعلا، كما وضح من خلال ما سبق أن المجاز اللغوي هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب، وأنه باعتبار نوع التجوز يختص بألفاظ اللغة، ومفرداتها، أو ما قام مقامها في طرفي التشبيه؛ خلافًا للمجاز العقلي الذي يختص بالتجوز في الأسانيد أي: بإسناد الأفعال، أو ما في معانيها إلى غير ما هي لها.
وسنذكر فيما بعد أن الفرق بين المجاز الكناية يتمثَّل في نوع القرينة، فإن كانت مانعة، فمجاز، وإلا فكناية.
أما ما لا يحسن تقدير أداة من أدوات التشبيه فيها إلا بتغيير في بنائها بأن يكون المشبه به نكرة موصوفة بأوصاف لا تلائمه نحو: فلان بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب؛ فهو إلى الاستعارة أقرب.



أما ما تعين حمله على الاستعارة، فهي تلك الجمل التي يستحيل تقدير أدوات التشبيه فيها؛ لأن تقديرها يؤدي إلى التناقض وإفساد غرض المتكلم، إذا كان المشبه به نكرة موصوفة بصفات لا توجد فيها، ومراعاة التشبيه معها يفسد معنى الكلام، كما ذكرنا في بيت المتنبي:
أسدٌ دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه يرعد
فلا يقال: هو كأسد، أو كأنه أسد دم الأسد الهزبر خضابه؛ لأن مقتضى التشبيه أن يكون المشبه به أقوى من المشبه، أو مثله في قوته، وقوله "دم الأسد الهزبر خضابه" يقتضي أن يكون الممدوح أقوى من الأسد، وهذا تناقض، ولكن حمل البيت على الاستعارة يدفع هذا التناقض؛ حيث تكون الصفات المذكورة منصبَّة على الممدوح، لا على الأسد.
والسؤال، ويندرج تحته الاستعارة التمثيلية، إن كانت علاقته المشابهة، والمجاز المرسل المركب إن لم تكن العلاقة كذلك، وأن المفرد ينقسم باعتبار العلاقة إلى مجاز استعاري إن كانت العلاقة المشابهة مجاز مرسل إن لم تكن العلاقة كذلك، وأن الاستعارة نوعين: فما صرح فيه بلفظ المشبه به سمي بالاستعارة التصريحية، وما حذف منه المشبه به سمي بالمكنية.
وسيكون حديثنا المفصل فيما بعد -بمشيئة الله تعالى- عن نوعي هاتين الاستعارتين، لذكر المزيد من الأمثلة التي من خلالها تتضح معالم كل، فإلى الملتقى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alhoob-alsdagh.ba7r.org
 
المجاز اللغوي - نسرين محمد حسن التومى.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبيل - القدس :: اخبار - مقالات سياسية - :: قضايا للمناقشة-
انتقل الى: