نبيل - القدس
الا ان مجرد القراءة والمتعة الفكرية لن يكون له اي تاثير في من يتابع هذه المواضيع الا اذا تم التفكر والتدبر بها وفهم واقعها بدقة

نبيل - القدس

البوابةالرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
ابرز المواضيع - اضغط على الكتابة

شجرة العشاق وثمرة الأشواق - نبيل القدس

اعذب الكلام قسم الشعر

قضايا للمناقشة

اعلام وشخصيات

براعم المنتدى - اطفالنا

إبداعات الأعضاء - أشعار وخواطر
معرض الصور

غناء عراقي
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث


 

المواضيع الأخيرة
» خواطر حول علاقة الدين بالبشر
اليوم في 5:09 am من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة التاسعة من سلسلة وقفات مع الذكر =9
أمس في 2:52 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الـهـــزيـــمـة...
أمس في 6:42 am من طرف نبيل عودة

» البيع الرابح
2016-12-07, 11:19 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الثامنه من سلسلة وقفات مع الذكر
2016-12-07, 9:59 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» قهوة المساء..الكلمة
2016-12-07, 1:49 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة السابعة من وقفات مع الذكر-7-
2016-12-07, 2:06 am من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة السادسة من وقفات مع الذكر-56-
2016-12-06, 11:51 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» في غزة إنجاز رغم الحصار - بقلم: ماجد الزبدة
2016-12-06, 6:30 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» معلومات عن كلاب كنعاني - د جمال بكير
2016-12-06, 5:12 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الخامسة من سلسلة مقفات مع الذكر-5-
2016-12-06, 3:18 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» القدس تنادي - كلمات نادية كيلاني
2016-12-06, 1:14 am من طرف نادية كيلاني

» الحلقة الرابعة من سلسلة وقفات مع الذكر
2016-12-05, 11:52 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» يدور الزمن - الشاعرة نهلة عنان بدور
2016-12-05, 8:24 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» عيناها بحر من الحنان - نورهان الوكيل
2016-12-05, 8:19 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الثالثة من سلسلة وقفات مع الذكر=3
2016-12-05, 6:50 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» هذا بلاغ للناس
2016-12-05, 6:45 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» الحلقة الاولى من سلسلة وقفات مع الذكر
2016-12-04, 9:20 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» بين شريعة الله وشرائع البشر
2016-12-03, 11:15 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

»  دروس في النحو العربي - رشيد العدوان دروس في النحو العربي - نقله إيمان نعيم فطافطة
2016-12-03, 10:19 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

» الحلقة الثالثة من سلسلة ربط العبادات بالمعتقد والسلوك
2016-12-03, 10:12 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

»  الليل يسكن مقلتي في كل حين - الشاعر محمد ايهم سليمان
2016-12-03, 10:08 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

» 17 مليون عربي في شتات اللجوء و النزوح و الأنتهاك !
2016-12-03, 9:59 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» اعادة نشر سلسلة ربط العبادات بالسلوك والمعتقد=الحلقة الاولى
2016-12-03, 9:53 pm من طرف زهرة اللوتس المقدسية

» من هو "الذي عنده علم من الكتاب" وأحضر عرش ملكة سبأ ؟
2016-12-02, 8:14 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» عجائب وغرائب - الجزائر تكتشف رسميا حقيقة سكان الفضاء وجهاز السفر عبر الزمن (حقيقي)
2016-12-02, 5:35 pm من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» مفهوم ومعنى المقياس
2016-12-02, 4:27 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» راشد الزغاري مثال الفلسطينيين المنسيين في سجون العالم - بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
2016-12-02, 10:25 am من طرف نبيل القدس ابو اسماعيل

» اعلام المجرمين مسيرته ودعواه واحدة
2016-12-01, 10:45 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

» الحلقة الثامنه عشرة من سلسلة ربط العبادات بالسلوك والمعتقد
2016-12-01, 10:38 pm من طرف محمد بن يوسف الزيادي

المواضيع الأكثر شعبية
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
صباح الخير- مسا الخير-منتدانا -النبيل- بعيونكم ولعيونكم صباح الخير-سلام الله عليكم -مساء الخير -ليلة سعيدة ///سعيد الاعور 29.02.2012
صورة اعجبتني لنجعلها صفحة لكل من عنده صورة مميزة او كريكاتير او منظر رائع ومميز/سعيد الاعور
حكم شعراء وكتاب وفلاسفة في الحياة -ومن الحياة-حكمة اعجبتني/سعيد الاعور
سجل حضورك اليومي بالصلاه على نبي الله
نبذة عن حياة الشاعر وليد محمد الكيلاني - زهرة اللوتس المقدسية
صفحة الاستغفار اليومي لكل الاعضاء ـ لنستغفر الله على الاقل 3 مرات في الصباح والمساء//سعيد الاعور
اجمل دعاء-التقرب الى الله -ادعية مختارة تفرح القلوب وتريحها-اذكار الصباح -اذكار المساء /سعيد الاعور
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
مقهى المنتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 22 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 22 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 720 بتاريخ 2011-02-21, 11:09 pm
تصويت
المواضيع الأكثر نشاطاً
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
سجل حضورك اليومي بالصلاه على نبي الله
مقهى المنتدى
تعالو نسجل الحضور اليومي بكلمة في حب الله عز وجل
صورة اعجبتني لنجعلها صفحة لكل من عنده صورة مميزة او كريكاتير او منظر رائع ومميز/سعيد الاعور
من هنا نقول صباح الخير - مساء الخير - زهرة اللوتس المقدسية
صفحة الاستغفار اليومي لكل الاعضاء ـ لنستغفر الله على الاقل 3 مرات في الصباح والمساء//سعيد الاعور
صباح الخير- مسا الخير-منتدانا -النبيل- بعيونكم ولعيونكم صباح الخير-سلام الله عليكم -مساء الخير -ليلة سعيدة ///سعيد الاعور 29.02.2012
سجل حضورك اليومي بالصلاه على نبي الله
مدينة القدس زهرة المدائن وبلداتها وقراها بالصور فقط /المهندس سعيد الاعور
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
نبيل القدس ابو اسماعيل - 31599
 
زهرة اللوتس المقدسية - 15403
 
معتصم - 12431
 
sa3idiman - 3588
 
لينا محمود - 2667
 
هيام الاعور - 2145
 
بسام السيوري - 1764
 
محمد بن يوسف الزيادي - 1681
 
محمد القدس - 1207
 
العرين - 1193
 
أفضل 10 فاتحي مواضيع في المنتدى
نبيل القدس ابو اسماعيل
 
محمد بن يوسف الزيادي
 
زهره النرجس
 
زهرة اللوتس المقدسية
 
معتصم
 
معمر حبار
 
هيام الاعور
 
sa3idiman
 
لينا محمود
 
محمود تركي
 
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 928 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو بنت فلسطين فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 55172 مساهمة في هذا المنتدى في 12334 موضوع
عداد الزوار

شاطر | 
 

 كتاب نظام الاسلام من صفحة 1 لغاية صفحة 21

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نبيل القدس ابو اسماعيل
المدير العام
المدير العام


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 31599
تاريخ التسجيل : 18/03/2009

مُساهمةموضوع: كتاب نظام الاسلام من صفحة 1 لغاية صفحة 21   2010-05-20, 5:44 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

طريقُ الإيمانِ



ينهَضُ الإنسانُ بما عندَهُ مِن فكرٍ عَنِ الحياةِ والكونِ والإنسانِ، وَعَن عَلاقَتِهَا جميعِها بما قبلَ الحياةِ الدُنيا وما بعدَها. فكانَ لا بُدَّ مِن تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجادِ فكرٍ آخرَ لَهُ حتّى ينهَضَ، لأَنَّ الفكرَ هو الذي يوجِدُ المفاهيمَ عنِ الأشياءِ، ويركِّزُ هذِهِ المفاهيمَ. والإنسانُ يُكَيِّفُ سلوكَهُ في الحياةِ بِحَسَبِ مفاهيمِهِ عَنْهَا، فمفاهيمُ الإنسانِ عَنْ شخصٍ يُحِبُّهُ تُكيِّفُ سلوكَه نَحْوَه، على النَّقِيضِ مِنْ سلوكِهِ مَعَ شَخْصٍ يُبْغِضُهُ وعندَهُ مفاهيمُ البُغْضِ عَنْهُ، وعلى خِلافِ سلوكِهِ مع شخصٍ لا يعرفُهُ ولا يُوجَدُ لَدَيْهِ أيُّ مفهومٍ عَنْه، فالسلوكُ الإنسانيُّ مربوطٌ بمفاهيمِ الإنسانِ، وعندَ إرادتِنَا أَنْ نغيِّرَ سلوكَ الإنسانِ المنخفِضِ ونجعلَهُ سلوكاً راقياً لابدَّ أَنْ نغيِّرَ مــفــهـــومَــهُ أَوّلا}إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ{.



والطريقُ الوحيدُ لتغييِر المفاهيمِ هُوَ إيجادُ الفكرِ عَنِ الحياةِ الدنيا حتَّى تُوجَدَ بواسطتِهِ المفاهيمُ الصحيحةُ عَنْهَا. والفكرُ عَنِ الحياةِ الدنيا لا يتركَّزُ تَرَكُّزاً مُنْتِجاً إِلاّ بعدَ أَنْ يُوجَدَ الفكرُ عَنِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وعمَّا قبلَ الحياةِ الدنيا وعمَّا بعدَها، وعَنْ عَلاقتِها بما قبلَهَا وما بعدَهَا، وذَلِكَ بإِعطاءِ الفكرةِ الكُلِّيَةِ عمَّا وراءَ هذَا الكونِ والإنسانِ والحياةِ. لأنَّها القاعدةُ الفكريةُ التي تُبْنَى عليْهَا جَميعُ الأفكارِ عَنِ الحياةِ. وإِعطاءُ الفكرةِ الكليةِ عَنْ هذِهِ الأَشْيَاءِ هُوَ حَلُّ العُقْدَةِ الكُبْرى عِندَ الإنسانِ. ومتى حُلَّتْ هذه العقدةُ حُلَّت باقِي العُقَدِ، لأنها جزئيةٌ بالنِسْبَةِ لَهَا، أَوْ فُروعٌ عَنْها. لَكِنَّ هذا الحلَّ لا يُوصِلُ إِلى النَّهضةِ الصحيحةِ إلا إذا كانَ حلاً صحيحاً يوافِقُ فِطْرَةَ الإنسانِ، ويُقْنِعُ العقلَ، فَيَمْلأُ القَلبَ طُمَأْنِينَةً.



ولا يمكنُ أنْ يوجدَ هذا الحلُّ الصحيحُ إلا بالفكرِ المستنيِر عنِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ. لذلك كان على مُرِيدِي النهضةِ والسيرِ في طريقِ الرُّقِيِّ أَنْ يَحُلُّوا هذِهِ العقدةَ أولاً، حلاً صحيحاً بواسطةِ الفكرِ المستنيرِ، وهذا الحلُّ هو العقيدةُ، وهو القاعدةُ الفكريةُ التي يُبنى عليها كلُّ فكرٍ فَرْعِيٍ عَنِ السلوكِ في الحياةِ وعنْ أنظمةِ الحياةِ.



والإسلامُ قَد عمَد إِلى هذه العقدةِ الكبرى فَحَلَّها للإنسانِ حلاً يوافِقُ الفِطرةَ، ويَمْلأُ العقلَ قَناعةً، والقلبَ طُمأنينةً، وجعَلَ الدخولَ فِيه متوقِّفاً على الإقرارِ بهذا الحلِّ إقراراً صادراً عنِ العقلِ، ولذلك كان الإسلام مبنياً على أساسٍ واحدٍ هو العقيدةُ. وهي أنَّ وراءَ هذا الكونِ والإنسانِ والحياةِ خالقاً خلقَها جميعاً، وخلقَ كلَّ شيءٍ، وهو اللهُ تعالى. وأَنَّ هذا الخالقَ أَوْجَدَ الأشياءَ مِن العدمِ، وهو وَاجِبُ الوجودِ، فهو غيرُ مخلوقٍ، وإلا لما كان خالقاً، واتصافُهُ بكونِهِ خالقاً يَقْضِي بكونِهِ غيرَ مخلوقٍ، ويَقْضِي بأنَّهُ واجبُ الوجودِ، لأنَّ الأشياءَ جميعَهَا تستَنِدُ في وجودِها إِلَيْهِ ولا يستندُ هو إلى شيءٍ.



أمَّا أنَّهُ لا بدَّ للأشياءِ مِن خالقٍ يخلُقُها فذلك أنَّ الأشياءَ التي يُدرِكُها العقلُ هي الإنسانُ والحياةُ والكونُ، وهذه الأشياءُ محدودةٌ، فهي عاجزةٌ وناقصةٌ ومحتاجةٌ إلى غيرِهَا. فالإنسانُ محدودٌ لأنَّهُ ينمُو في كلِّ شيءٍ إلى حَدٍ مَا لا يتجاوَزُهُ، فهو محدودٌ. والحياةُ محدودةٌ، لأنَّ مظهَرها فرديٌ فَقَطْ، والمُشاهَدُ بالحِسِّ أنَّها تَنْتَهِي بالفردِ فهي محدودةٌ. والكونُ محدودٌ لأنه مجموعُ أَجرامٍ وكلُّ جِرْمٍ مِنها محدودٌ، ومجموعُ المحدوداتِ محدودٌ بداهةً، فالكونُ محدودٌ. وعلى ذلك فالانسانُ والحياةُ والكوْنُ محدودةٌ قطعاً.



وحينَ ننظُرُ إلى المحدودِ نجدُهُ ليسَ أَزَلِياً وإلا لمَا كان محدوداً فلا بدَّ أنْ يكونَ المحدودُ مخلوقاً لغيرِهِ، وهذا الغيرُ هو خالقُ الإنسانِ والحياةِ والكونِ، وهو إِمَّا أَنْ يكونَ مخلوقاً لغيرِهِ، أَوْ خالقاً لنفسِهِ، أو أزلياً واجبَ الوجودِ. أمَّا أنَّهُ مخلوقٌ لغيرِهِ فباطلٌ، لأنَّهُ يكونُ محدوداً، وأما أنَّهُ خالقٌ لنفسِهِ فباطلٌ أيضاً، لأنه يكونُ مخلوقاً لنفسِهِ وخالقاً لنفسِهِ في آنٍ واحدٍ، وهذا باطلٌ أيضاً، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ أزلياً واجبَ الوجودِ وهو اللهُ تعالى.



على أنَّ كلَّ مَنْ لَهُ عقلٌ، يُدرِكُ من مجرَّدِ وجودِ الأشياءِ التي يقَعُ عليْها حِسُّهُ، أَنَّ لهَا خالقاً خَلَقَهَا، لأَنَّ المشاهَدَ فيها جميعِهَا أَنَّها ناقصةٌ، وعاجزةٌ ومحتاجةٌ لغيرِهَا، فهي مخلوقةٌ قطعاً. ولذلك يكفِي أنْ يُلْفَتَ النَظَرُ إِلى أَيِّ شيءٍ في الكونِ والحياةِ والإنسانِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ على وجودِ الخالقِ المدبِّرِ. فالنَظَرُ إلى أَيِّ كَوْكَبٍ مِنَ الكواكبِ في الكونِ، والتأَمُّلُ في أَيِّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظاهِرِ الحياةِ، وإِدراكُ أَيِّ ناحيةٍ في الإنسانِ، لَيَدُلُّ دِلالةً قطعيةً على وجودِ اللهِ تعالى.



ولذلكَ نَجِدُ القرآنَ الكريمَ يُلْفِتُ النَظَرَ إلى الأشياءِ، ويدعُو الإنسانَ لأَنْ ينظُرَ إِليها وإلى ما حَوْلَهَا وما يتعلَّقُ بِهَا، ويَسْتَدِلُّ بذلك على وجودِ اللهِ تعالى. إِذْ ينظرُ إِلى الأشياءِ كَيْفَ أَنَّهَا محتاجةٌ إلى غيرِها، فَيُدْرِكُ مِنْ ذلك وجودَ اللهِ الخالقِ المدبِّرِ إِدراكاً قطعياً. وَقَدْ وَرَدَتْ مِئَاتُ الآياتِ في هذا المعنــى. قال تعالى : في سورةِ آلِ عمرانَ } إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ{ وقالَ تعالى : في سورةِ الرومِ }وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ{ وقالَ تعالى : في سورةِ الغاشِيةِ } أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ{ وقالَ تعالى : في سورةِ الطارِقِ }فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ{ وَقالَ تعالى : في سورةِ البَقَرَةِ } إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ وإلى غيرِ ذلك مِنَ الآياتِ التي تدعُو الإنسانَ لأَنْ ينظُرَ النَظْرَةَ العميقةَ إلى الأشياءِ وما حولهَا وما يتعلقُ بِهَا،ويَستدِلَّ بذلك على وجودِ الخالقِ المدبِّرِ، حتَّى يكونَ إيمانُهُ باللهِ إيماناً راسخاً عَنْ عَقْلٍ وَبَيِّنَةٍ.

نَعَمْ إِنَّ الإيمانَ بالخالقِ المدبِّرِ فِطْرِيٌ في كلِّ إنسانٍ. إِلا أَنَّ هذا الإيمانَ الفطريَّ يأتِي عن طريقِ الوِجْدَانِ. وهو طريقٌ غيرُ مَأْمُونِ العاقِبَةِ، وغيرُ مُوصِلٍ إِلى تركيزٍ إذا تُرِكَ وَحْدَهُ. فالوِجدانُ كثيراً ما يُضْفِي على ما يُؤْمِنُ بِهِ أَشْيَاءَ لا حقائقَ لهَا، ولكنَّ الوِجدانَ تخَيَّلَهَا صِفاتٍ لازمةٍ لِمَا آمَنَ بِهِ، فَوَقَعَ في الكُفرِ أو الضَّلالِ. وما عبادةُ الأوثانِ، وما الخُرافاتُ والتُرَّهَاتُ إلا نَتيجَةً لخطأِ الوِجدانِ. ولهذا لم يَتْرُكِ الإسلامُ الوجدانَ وحدَهُ طريقةً للإيمانِ، حتى لا يجعلَ للهِ صفاتٍ تَتَنَاقَضُ مَعَ الأُلُوهِيَّةِ، أو يجعلَهُ مُمْكِنَ التَجَسُّدِ في أشياءَ مادِّيَّةٍ، أو يَتَصَوَّرَ إِمكانَ التَقَرُّبِ إلَيْها بعِبادةِ أَشياءَ مادِّيَّةٍ، فيُؤَدِّيَ إمَّا إلى الكفرِ أو الإشراكِ، وإمَّا إلى الأوْهَامِ والخُرافَاتِ الَّتي يَأْبَاها الإيمانُ الصادقُ. ولذلكَ حَتَّمَ الإسلامُ استعمال العَقْلِ مَعَ الوِجدانِ، وأَوْجَبَ على المُسلمِ استعمال عقلِهِ حينَ يُؤْمنُ بِاللهِ تعالى، ونَهى عَنِ التقليدِ في العقيدةِ ولذلكَ جَعَلَ العقلَ حكماً في الإيمانِ باللهِ تعـالى. قالَ تعالى : } إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ{.

ولهذا كانَ واجباً عَلى كلِّ مسلمٍ أَنْ يَجْعَلَ إيمانَهُ صادراً عَنِ تَفْكيرٍ وبَحْثٍ ونَظَرٍ، وأَنْ يُحَكِّمَ العَقلَ تحكيماً مُطلقاً في الإيمانِ باللهِ تعالى. والدعوةُ إلى النَظَرِ في الكونِ لاسْتِنْبَاطِ سُنَنِهِ وللاهْتِدَاءِ إلى الإيمانِ بِبَارِئِهِ، يُكَرِّرُهَا القُرآنُ مِئَاتِ المرَّاتِ في سُوَرِهِ المُخْتَلِفَةِ، وكُلَّهَا مُوَجَّهَةٌ إلى قُوَى الإِنسانِ العاقِلَةِ تَدعُوهُ إلى التَدَبُّرِ والتَأَمُّلِ لِيَكونَ إيمانُهُ عَنْ عقلٍ وبَيِّنَةٍ وتُحَذِّرُهُ الأَخْذَ بما وَجَدَ عَلَيْهِ آبَاءَهُ مِنْ غيِر نَظَرٍ فيه وتَمْحِيصٍ لَهُ وثِقَةٍ ذَاتِيَّةٍ بِمَبْلَغِهِ مِنَ الحقِّ. هذا هوَ الإيمانُ الذي دَعَا الإِسلامُ إِلَيْهِ، وهوَ لَيْسَ هذا الإيمانَ الَّذي يُسَمُّونَهُ إيمانَ العَجَائِزِ، إنَّمَا هوَ إيمانُ المُسْتَنِيرِ المُسْتَيْقِنِ الَّذي نَظَرَ ونَظرَ، ثُمَّ فَكَّرَ وفَكَّرَ، ثُمَّ وَصَلَ مِنْ طَريقِ النَظرِ والتَفْكِيرِ إلى اليَقِينِ بِاللهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ.

ورَغْمَ وُجوبِ استعمال العَقْلِ في الوُصولِ إلى الإيمانِ باللهِ تعالى فإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إِدْراكُ ما هوَ فَوْقَ حِسِّهِ وفوقَ عقلِهِ، وذلكَ لأَنَّ العقلَ الإِنسانيَّ محدودٌ، ومحدودةٌ قُوَّتُهُ مَهْمَا سَمَتْ ونَمَتْ بِحُدُودٍ لا تَتَعَدَّاهَا، ولِذلكَ كانَ محدودَ الإدْرَاكِ، ومنْ هنا كانَ لا بُدَّ أَنْ يَقْصُرَ العقلُ دونَ إِدراكِ ذاتِ اللهِ، وأَنْ يَعْجَزَ عنْ إدراكِ حَقِيقَتِهِ، لأَنَّ اللهَ وراءَ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، والعقلُ في الإنسانِ لا يدركُ حقيقةَ ما وراءِ الإنسانِ، ولذلكَ كانَ عاجِزاً عَنْ إدراكِ ذاتِ اللهِ. ولا يقالُ هُنَا: كيفَ آمَنَ الإنسانُ باللهِ عقلاً معْ أَنَّ عقلَهُ عاجِزٌ عنْ إدراكِ ذاتِ اللهِ؟ لأنَّ الإيمانَ إنَّمَا هوَ إيمانٌ بِوجودِ اللهِ وَوُجودُهُ مُدْرَكٌ منْ وجودِ مخلوقاتِهِ، وهيَ الكونُ والإنسانُ والحياةُ. وهذهِ المخلوقاتُ داخلةٌ في حدودِ ما يُدْرِكُهُ العقلُ، فأَدْرَكَهَا، وأدركَ منْ إدراكِهِ لَهَا وجودَ خالقٍ لَهَا، وهوَ اللهُ تعالى. ولذلكَ كانَ الإيمانُ بِوجودِ اللهِ عقلياً في حدودِ العقلِ، بِخِلافِ إدراكِ ذاتِ اللهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، لأنَّ ذاتَهُ وراءَ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، فهوَ وراءَ العقلِ. والعقلُ لا يمكنْ أنْ يدركَ حقيقة ما وراءَهُ لِقُصورِهِ عنْ هذا الإدراكِ. وهذا القصورُ نفسُهُ يجبُ أنْ يكونَ منْ مُقوياتِ الإيمانِ، وليسَ منْ عواملِ الارتياب والشكِّ .

فإنِّهُ لمَّا كانَ إيمانُنَا باللهِ آتِياً عنْ طريقِ العقلِ كانَ إدراكُنَا لِوُجودِهِ إِدْراكاً تامَّاً، ولمَّا كانَ شعورُنا بِوجودِهِ تعالى مَقْرُوناً بالعقلِ كانَ شُعُورُنَا بوجودِهِ شُعوراً يَقينياً، وهذا كُلُّهُ يجعلُ عِنْدَنَا إِدراكاً تامَّاً وَشُعوراً يقينِياً بجَميعِ صفاتِ الأُلوهيَّةِ.

وَهذا منْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْنِعَنَا أَنَّنا لنْ نَستَطيعَ إدراكَ حقيقةِ ذاتِ اللهِ على شِدَّةِ إيمانِنَا بِهِ، وأنَّنَا يجبُ أنْ نُسَلِّمَ بِما أخبرنَا بِهِ مِمَّا قَصَرَ العقلُ عنْ إدراكِهِ، وذلكَ لِلْعَجْزِ الطَبِيعِيِّ عنْ أنْ يَصِلَ العقلُ الإنْسَانِيُّ بمَقَاييسِهِ النِسْبِيَّةِ المحدودةِ إلى إدراكِ ما فوقَهُ. إذْ يحتاجُ هذا الإدراكُ إلى مقاييسَ ليسَتْ نِسْبِيَّةً وليستْ محدودةً، وهي ممَّا لا يملكُهُ الإنسانُ ولا يستطيعُ أنْ يملِكَهُ.

أمَّا ثبوتُ الحاجةِ إلى الرسُلِ ، فهوَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ للهِ تعالى، وأنَّ التديُّنَ فِطريٌّ في الإنسانِ، لأنَّهُ غريزةٌ منْ غرائزِهِ، فهوَ في فطرتِهِ يُقَدِّسُ خالِقَهُ، وَهذا التقديسُ هوَ العبادةُ، وهيَ العلاقةُ بينَ الإنسانِ والخالقِ وهذهِ العلاقةُ إِذا تُرِكَتْ دونَ نظامٍ يُؤَدِّي تَرْكُهَا إلى اضْطِّرَابِهَا وإلى عبادةِ غيرِ الخالقِ، فلا بُدَّ منْ تَنْظيمِ هذهِ العلاقةِ بنظامٍ صَحيحٍ، وهذا النِظامُ لا يَأْتِي مِنَ الإنسانِ لأَنَّهُ لا يَتَأَتَّى لَهُ إدراكُ حقيقةِ الخالقِ حَتَّى يضعَ نِظاماً بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يكونَ هذا النظامُ منَ الخالقِ. وبما أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُبَلِّغَ الخالقُ هذا النظامَ لِلإنسانِ. لذلكَ كانَ لا بُدَّ منَ الرسلِ يُبلِّغونَ الناسَ دينَ اللهِ تعالى.

والدليلُ أيضاً على حاجةِ الناسِ إلى الرسلِ هوَ أنَّ إِشْباعَ الإنسانِ لِغرائزِهِ وحاجاتِهِ العضويَّةِ أَمْرٌ حَتْمِيٌّ،وهذا الإشباعُ إذا سارَ دونَ نظامٍ يُؤَدِّي إلى الإشْباعِ الخَطَأِ أو الشاذِّ ويُسَبِّبُ شقاءَ الإنسانِ، فَلا بدَّ منْ نظامٍ يُنظِّمُ غَرائِزَ الإنسانِ وَحاجاتِهِ العضوِيَّةَ، وهذا النظامُ لا يأتي منَ الإنسانِ، لأنَّ فهمَهُ لتنظيمِ غرائزِ الإنسانِ وحاجاتِهِ العضويةِ عُرْضَةٌ لِلْتَفَاوُتِ والاخْتِلافِ والتَنَاقُضِ والتَأَثُّرِ بالبيئةِ الَّتي يعيشُ فيها، فإذا تُرِكَ ذلكَ لَهُ كانَ النظامُ عُرْضَةً لِلْتَفَاوُتِ والاخْتِلافِ والتَنَاقُضِ وأَدَّى إلى شَقَاءِ الإنسانِ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ النظامُ منَ اللهِ تعالى.

وأمَّا ثبوتُ كونِ القرآنِ منْ عِنْدِ اللهِ، فَهُوَ أنَّ القرآنَ كتابٌ عَرَبِيٌّ جاءَ بِهِ محمَّدٌ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. فهوَ إمَّا أنْ يكونَ منَ العَرَبِ وإمَّا أنْ يكونَ منْ محمَّدٍ، وإمَّا أنْ يكونَ منَ اللهِ تعالى. ولا يمكنُ أنْ يكونَ منْ غيِر واحدٍ منْ هَؤلاءِ الثلاثَةِ، لأنَّه عربيُّ اللُّغةِ والأسلوبِ.

أمَّا أنَّهُ منَ العربِ فَباطلٌ لأنَّهُ تَحَدَّاهُم أنْ يَأْتوا بمثلِهِ } قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ{ ، } قُلْ فَأْتُوا بِسورةٍ مِثْلِهِ{ وقدْ حاولوا أنْ يَأْتُوا بمثلِهِ وعَجِزُوا عنْ ذلكَ. فهوَ إذنْ ليسَ منْ كلامِهِمْ، لِعَجْزِهِمْ عنِ الإتْيانِ بمثلِهِ معْ تحدِّيهِ لَهُمْ ومُحَاوَلَتِهِمُ الإتيانَ بمثلِهِ. وأمَّا أَنَّهُ منْ محمَّدٍ فباطلٌ، لأنَّ محمَّداً عربيٌ منَ العربِ، ومَهْمَا سَمَا العبقرِيُّ فهوَ مِنَ البَشَرِ وواحدٌ مِنْ مُجْتَمَعِهِ وأُمَّتِهِ، ومَا دامَ العربُ لمْ يَأْتُوا بمثلِهِ فَيَصْدُقَ على محمَّدٍ العربيِّ أنَّهُ لا يأتي بمثلِهِ فهوَ ليسَ مِنْهُ، عِلاوةً أنَّ لمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ أحاديثَ صحيحةٍ وأُخْرى رُوِيَتْ عنْ طَريقِ التواتُرِ الذي يستحيلُ مَعَهُ إلا الصِدْقُ، وإذا قورِنَ أيُّ حديثٍ بأيِّ آيةٍ لا يوجدُ بَيْنَهُمَا أَيُّ تَشَابُهٍ في الأسلوبِ وكانَ يَتْلُو الآيةَ المنزَّلَةَ ويقولُ الحديثَ في وقتٍ واحدٍ، وبينَهُما اخْتلافٌ في الأسلوبِ، وكلامُ الرجلِ مهما حاولَ أنْ يُنَوِّعَهُ فإِنَّهُ يتشابَهُ في الأسلوبِ لأنَّهُ جزءٌ منهُ. وبما أنَّهُ لا يوجدُ أي تشابُهٌ بينَ الحديثِ والآيةِ في الأسلوبِ فلا يكونَ القرآنُ كلامَ محمَّدٍ مُطْلَقَاً، لِلاختلافِ الواضحِ الصريحِ بَيْنَهُ وبينَ كلامِ محمَّدٍ. على أَنَّ العربَ وهُمْ أعلَمُ الناسِ بأَساليبِ الكلامِ العربيِّ لمْ يَدَّعِ أحَدٌ منهُمْ أنَّهُ كلامُ محمَّدٍ أوْ أَنَّهُ يُشبِهُ كلامَهُ، وكلُّ مَا ادَّعُوهُ أنَّهُ يَأتِي بهِ منْ غُلامٍ نَصْرَانِيٍ اسمُهُ (جَبْر) ولذلكَ رَدَّ عَليهِمُ اللهُ تعالى فقالَ } ولقدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُبِينٌ{.

وبِمَا أنَّهُ ثبَتَ أنَّ القرآنَ ليسَ كلامَ العربِ، ولا كلامَ محمَّدٍ، فيكونَ كلامَ اللهِ قطعاً، ويكونَ معجزةً لمن أتَى بِهِ. وبما أَنَّ محمَّداً هوَ الذي أَتى بالقرآنِ، وهوَ كلامُ اللهِ وشَرِيعَتُهُ، ولا يأْتي بشريعةِ اللهِ إلاَّ الأنبياءُ والرسلُ، فيكونَ محمَّدٌ نَبِياً ورسولاً قطعاً بالدليلِ العقليِّ. هذا دليلٌ عقليٌّ على الإيمانِ باللهِ وبرسالةِ محمَّدٍ وبأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.

وعلى ذلكَ كانَ الإيمانُ باللهِ آتِياً عنْ طريقِ العقلِ، ولا بُدَّ أنْ يكونَ هذا الإيمانُ عنْ طريقِ العقلِ. فكانَ بذلكَ الرَّكيزةَ الَّتي يقومُ عليْهَا الإيمانُ بالمغيباتِ كُلِّهَا وبِكُلِّ ما أَخْبَرَنَا اللهُ بهِ. لأنَّنَا ما دُمْنَا قَدْ آمَنَّا بهِ تعالى وهوَ يَتَّصِفُ بصِفاتِ الألوهيَّةِ يجبُ حتماً أنْ نؤمنَ بكلِّ ما أخبرَ بهِ سواءٌ أدركَهُ العقلُ أو كان من وراءِ العقلِ، لأنَّهُ أخبرَنَا بهِ اللهُ تعالى. ومِنْ هُنا يجبُ الإيمانُ بالبعثِ والنُشورِ والجَنَّةِ والنارِ والحِسابِ والعَذابِ، وبالملائِكَةِ والجِنِّ والشياطينِ وغيرِ ذلك، ممَّا جاءَ بالقرآنِ الكريمِ أو بحَديثٍ قطعيٍ. وهذا الإيمانُ وإنْ كانََ عَنْ طريقِ النقلِ والسمعِ لَكِنَّهُ في أصلهِ إيمانٌ عقليٌ، لأنَّ أصلَهُ ثَبَتَ بالعقلِ. وَلِذَلكَ كانَ لا بُدَّ أن تكونَ العقيدةُ للمسلمِ مُستَنِدَةً إلى العقلِ أو إلى ما ثَبَتَ أَصْلُهُ عنْ طريقِ العقلِ. فالمسلمُ يجبُ أَنْ يعتقدَ ما ثبتَ لَهُ عنْ طريقِ العقلِ أو طريقِ السمعِ اليقينِّي المقطوعِ بِهِ، أي ما ثبتَ بالقرآنِ الكريمِ والحديثِ القطعيِّ وهوَ المتواتِرُ، وما لم يثبُتْ عنْ هاتيْنِ الطريقيْنِ : العقلِ ونصِّ الكتابِ والسُنَّةِ القطعيَّةِ، يَحْرُمْ عليهِ أنْ يعتقدَهُ،لأنَّ العقائدَ لاتؤخذُ إِلا عن يقينٍ.

وعلى ذلك وجبَ الإيمانُ بما قبلَ الحياةِ الدنيا وهو اللهُ تعالى، وبما بعدَها وهو يومُ القيامةِ. وبما أنَّ أوامرَ اللهِ هي صِلةُ مَا قبلَ الحياةِ بالحياةِ بالإضافةِ إلى صِلَةِ الخلْقِ، وأنَّ المحاسبةَ عمَّا عمِلَ الإنسانُ في الحياةِ صلةُ مَا بعدَ الحياةِ بالحياةِ بالإضافةِ إلى صلةِ البعثِ والنشورِ، فإنه لابدَّ أنْ تكونَ لهذِهِ الحياةُ صلةٌ بما قبلَها وما بعدَها، وأنْ تكونَ أحوالُ الإنسانِ فيها مقيَّدةٌ بهذهِ الصلةِ،فالإنسانُ إذن يجبُ أنْ يكونَ سائراً في الحياةِ وِفْقَ أنظمةِ اللهِ، وأنْ يعتقدَ أنَّهُ يحاسِبُهُ يومَ القيامةِ على أعمالِهِ في الحياةِ الدنيا.

وبهذا يكونُ قدْ وُجدَ الفكرُ المستنيرُ عَمَّا وراءَ الكونِ والحياةِ والإنسانِ، ووُجِدَ الفكرُ المستنيرُ أيضاً عمَّا قبلَ الحياةِ وعمَّا بعدَهَا، وأنَّ لها صلةً بما قبلَها وما بعدَهَا. وبهذا تكونُ العقدةُ الكبرى قد حُلَّتْ جميعُها بالعقيدةِ الإسلاميَّةِ.

و متى انتهى الإنسانُ منْ هذا الحلِّ أمكنَهُ أَنْ ينتقِلَ إلى الفكرِ عن الحياةِ الدنيا، وإلى إيجادِ المفاهيمِ الصادقةِ المُنتِجةِ عنها. وكان هذا الحَلُّ نفسَهُ هو الأساسَ الذي يقومُ عليهِ المبدأُ الذي يُتَّخَذُ طريقةً للنُهوضِ، وهو الأساسُ الذي تقومُ عليه حضارةُ هذا المبدأِ، وهو الأساسُ الذي تنبثِقُ عنهُ أنظمتُهُ، وهو الأساسُ الذي تقومُ عليهِ دولتُهُ. ومِنْ هنا كانَ الأساسُ الذي يقومُ عليه الإسلامُ ـ فكرةً وطريقةً ـ هو العقيدةَ الإسلاميَّةَ.

} يا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا آمِنُوا باللهِ وَرسُولِهِ والكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ومَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً {.

أمَا وقدْ ثبَتَ هذا وكانَ الإيمانُ بِهِ أَمْرَاً محتوماً كانَ لِزاماً أنْ يُؤْمِنَ كُلُّ مسلمٍ بالشريعةِ الإسلاميَّةِ كُلِّهَا، لأَنَّهَا جاءتْ في القرآنِ الكريمِ، وجاءَ بِهَا الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وإلا كانَ كافراً ولذلكَ كانَ إنكارُ الأحكامِ الشرعيَّةِ بجُمْلَتِهَا، أو القطعيَّةِ منها بتفصيلِها، كفراً، سواءٌ أكانتْ هذه الأحكامُ مُتَّصِلةً بالعباداتِ أَو المعاملاتِ أو العقوباتِ أو المطعوماتِ، فالكفرُ بآيةِ }وأَقِيمُوا الصلاةَ { كالكفرِ بآيةِ } وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِبَا { وكالكفرِ بآيةِ } والسَارِقُ والسَارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا {، وكالكفرِ بآيةِ }حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتَةُ والدَمُ ولحْمُ الخَنْزيرِ ومَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ { الآية. ولا يتوقَّفُ الإيمانُ بالشريعةِ على العقلِ، بلْ لا بدَّ مِنَ التسليمِ المُطلقِ بكلِّ ما جاءَ مِنْ عندِ اللهِ تعالى }فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً {.


القضاء و القدر

قالَ تعالى : في سورةِ آلِ عِمْرانَ } وَما كانَ لِنفسٍ أَنْ تموتَ إلاَّ بإذنِ اللهِ كتاباً مُؤَجَّلاً{ وَقالَ في سورةِ الأَعْرافِ }ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فإذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلايَسْتَقْدِمُون { وقالَ في سورةِ الحديدِ } ما أَصابَ منْ مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أَنْفُسِكُمْ إلا في كتابٍ منْ قَبْلِ أَنْ نَبرأَها إنَّ ذلكَ على اللهِ يسيرٌ { وقالَ في سورةِ التَوبَةِ } قُلْ لَنْ يُصيبَنَا إلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنَا هوَ مَوْلانَا وعلى اللهِ فَلِيَتَوَكَّلِ المؤْمنون { وقالَ في سورةِ سَبَأ } لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في السمواتِ ولا في الأرضِ ولا أَصغَرُ مِنْ ذلكَ ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مبينٍ { وقالَ في سورةِ الأنْعامِ }وهوَ الَّذي يَتَوَفَّاكُمْ بِالليلِ ويعلمُ ماجَرَحْتُمْ بالنهارِ ثم يَبْعَثُكُمْ فيه ليُقضى أجلٌ مسمىً ثم إليهِ مرجِعكُمْ ثم يُنِبِّئُكُمْ بما كنتُم تعملون { وقالَ في سورةِ النساءِ }وإِنْ تُصِبْهُمْ حسنَةٌ يقولوا هذه منْ عندِ اللهِ، وإنْ تُصِبهمْ سيئةٌ يقولوا هذه منْ عندِكَ،. قلْ كلٌّ منْ عندِ اللهِ فما لهؤلاءِ القَومِ لا يَكادونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً {.

هذهِ الآياتُ وما شاكلَهَا مِنَ الآياتِ يَسْتَشْهِدُ بِهَا الكثيرونَ على مسألةِ القضاءِ والقدرِ اسْتِشْهَاداً يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الإنسانَ يجُبرُ على القيامِ بما يقومُ بِهِ منَ أعمالٍ، وأنَّ الأعمالَ إِنَّما يقومُ بِها مُلْزَمَاً بإرادةِ اللهِ ومَشِيئَتِهِ، وأَنَّ اللهَ هو الذي خلقَ الإنسانَ، وخلقَ عملَهُ، ويحاوِلون تَأْييدَ قولِهِم بقولِهِ تعالى } واللهُ خلقَكُمْ وما تَعْمَلُون { كما يَسْتَشْهِدُونَ بأَحاديثَ أُخرى كَقَوْلِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ((نَفَثَ روحُ القُدُسِ في رَوْعِي، لَنْ تموتَ نَفْسٌ حتَّى تَسْتَوْفي رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا ومَا قُدِّرَ لها)).

لقدْ أَخذَتْ مسألةُ القضاءِ والقدرِ دَوْراً هامَّاً في المَذاهبِ الإسلاميَّةِ. وكانَ لأَهْلِ السُنَّةِ فيها رأيٌ يَتَلَخَّصُ في أَنَّ الإنْسَانَ لَهُ كَسْبٌ إخْتِيَارِيٌّ في أَفعالِهِ فَهوَ يُحاسَبُ على هذا الكَسْبِ الاخْتِيَارِيِّ. ولِلْمُعْتَزِلَةِ رَأْيٌ يَتَلَخَّصُ في أَنَّ الإنسانَ هوَ الَّذي يخلقُ أفعالَهُ بنفسِهِ، فهوَ يُحاسبُ عليها لأنَّهُ هوَ الَّذي أَوْجَدَهَا، ولِلْجَبْرِيَّةِ فيها رأيٌ يتلخصُ في أنَّ اللهَ تعالى هوَ الَّذي يخلُقُ العبدَ ويخلقُ أفعالَهُ، ولذلكَ كانَ العبدُ مجبراً على فعلِهِ وليسَ مُخيَّراً وهوَ كالريشَةِ في الفضاءِ تُحَرِّكُهَا الرِياحُ حيثُ تشاءُ.

والمُدقِّقُ في مسألةِ القضاءِ والقدرِ يجدُ أَنَّ دِقَّةَ البَحْثِ فيها توجِبُ مَعرفَةَ الأَساسِ الَّذي يَنْبَني عليْهِ البحثُ، وهذا الأساسُ ليسَ هوَ فعلَ العبدِ منْ كونِهِ هوَ الَّذي يَخْلقُهُ أَمِ اللهُ تعالى. وليسَ هوَ علمُ اللهِ تعالى منْ كَونِهِ يَعْلَمُ أَنَّ العَبْدَ سَيَفْعَلُ كذا ويُحِيطُ علمُهُ بهِ، وليسَ هوَ إرادةُ اللهِ تعالى مِنْ أَنَّ إرَادَتَهُ تعلَّقتْ بفعلِ العبدِ فهوَ لا بدَّ موجودٌ بهذهِ الإرادةِ، وليسَ هوَ كونُ هذا الفعلِ لِلعَبْدِ مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ فلا بُدَّ أَنْ يقومَ بهِ وَفْقَ ما هوَ مكتوب.

نَعَم ليسَ الأَساسُ الذي يُبْنى عليهِ البحثُ هوَ هذهِ الأَشياءَ مطلقاً، لأنَّهُ لا علاقةَ لها في الموضوعِ منْ حيثُ الثَوابِ والعِقَابِ. بلْ علاقَتُهَا منْ حيثُ الإيجادُ والعِلْمُ المحيطُ بكلِّ شيءٍ والإرادةُ الَّتي تتعلَّقُ بجميعِ المُمكناتِ واحتواءِ اللَّوْحِ المحفوظِ على كلِّ شيءٍ. وهذهِ العلاقةُ موضوعٌ آخرُ مُنْفَصِلٌ عنْ موضوعِ الإثابةِ على الفعلِ والعقابِ عليهِ أيْ : هلِ الإنسانُ مُلزَمٌ على القيامِ بالفعلِ خيراً أمْ شراً، أوْ مخيَّرٌ فيهِ ؟ وهلْ لَهُ اختيارُ القيامِ بالفعلِ أوْ تركِهِ أوْ ليسَ لهُ الاختيارُ ؟

والمدقِّقُ في الأفعالِ يرَى أَنَّ الإنسانَ يعيشُ في دائرَتَيْنِ إِحْداهُما يسيطِرُ عَلَيْها وهيَ الدائرةُ الَّتي تقعُ في نِطَاقِ تَصَرُّفَاتِهِ وَضِمْنَ نِطَاقِهَا تحصُلُ أفعالُهُ الَّتي يقومُ بها بمحْضِ اختيارِهِ، والأُخْرى تُسَيْطِرُ عليْهِ وهيَ الدائرةُ الَّتي يقعُ هوَ في نِطاقِهَا وتقعُ ضِمْنَ هذهِ الدائرةُ الأفعالُ الَّتي لا دَخْلَ لَهُ بِهَا سواءٌ أَوَقَعَتْ مِنْهُ أمْ عليهِ.

فالأفعالُ الَّتي تقعُ في الدائرةِ الَّتي تُسيطرُ عليهِ لا دَخْلَ لَهُ بِهَا ولا شأْنَ لَهُ بوجودِهَا، وهيَ قِسْمَانِ : قِسمٌ يقتضيهِ نظامُ الوجودِ، وقسمٌ تقعُ فيها الأفعالُ الَّتي ليسَتْ في مقدورِهِ والَّتي لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهَا ولا يقتضيها نظامُ الوجودِ. أمَّا ما تَقْتَضيهِ أنْظِمَةُ الوُجودِ فهوَ يُخْضِعُهُ لها ولذلكَ يَسِيرُ بِحَسْبِهَا سَيراً جَبْرِياً لأنَّهُ يسيرُ معَ الكونِ ومعَ الحياةِ طِبْقَ نِظامٍ مَخْصُوصٍ لا يَتَخَلَّفُ. ولذلكَ تقعُ الأعمالُ في هذهِ الدائرةِ على غيرِ إرادَةٍ مِنْهُ وهوَ فيها مُسَيَّرٌ ولَيْسَ بِمُخَيَّرٍ. فقدْ أَتَى إلى هذهِ الدنيا على غيرِ إِرادَتِهِ وسَيَذْهَبُ عَنْهَا على غيرِ إِرادَتِهِ، ولا يستطيعُ أنْ يَطيرَ بجسمِهِ فقطْ في الهواءِ، ولا أنْ يمشِيَ بوضْعِهِ الطبيعيِّ على الماءِ، ولا يمكنُ أنْ يخلقَ لِنَفسِهِ لونَ عينَيْهِ. ولمْ يُوْجِدْ شكْلَ رأْسِـهِ، ولا حَجْمَ جِسْمِهِ، وإنَّما الَّذي أوجدَ ذلكَ كُلِّهِ هوَ اللهُ تعالى دونَ أنْ يكونَ لِلْعبدِ المخلوقِ أيُّ أثرٍ ولا أيةُ علاقةٍ في ذلكَ، لأنَّ اللهَ هوَ الَّذي خلقَ نظامَ الوجودِ، وجعلَهُ مُنَظَّماً للوجودِ. وجعلَ الوجودَ يسيرُ حَسَبَهُ ولا يملِكُ التخلُّفَ عنهُ.

وأمَّا الأفعالُ الَّتي ليستْ في مقدورِهِ والَّتي لا قِبَلَ لَهُ بِدفْعِهَا ولا يَقْتَضِيها نِظامُ الوُجودِ فهيَ الأفعالُ الَّتي تحصُلُ منَ الإنسانِ أوْ عليهِ جَبْراً عنْهُ ولا يملِكُ دَفْعَهَا مُطْلَقَاً، كَمَا لوْ سقطَ شخصٌ عنْ ظهرِ حائطٍ على شخصٍ آخرَ فَقَتَلَهُ، وكما لو أطلقَ شخصٌ النارَ على طيرٍ فأصابتْ إِنساناً لم يكُنْ يعلَمُهُ فقتلَهُ، وكما لوْ تَدَهْوَرَ قطارٌ أو سيارةٌ أو سقطتْ طائرةٌ لِخللً طارئٍ لمْ يكنْ بالإمكانِ تلافيهِ فَتَسَبَّبَ عنْ هذا التدهْوُرِ والسُقوطِ قتلُ الركَّابِ، وما شاكلَ ذلكَ فإنَّ هذهِ الأفعالُ الَّتي حصلتْ منَ الإنسانِ أوْ عليهِ وإنْ كانتْ ليستْ مِمَّا يقتضيهِ نظامُ الوجودِ ولكنَّهَا وقعتْ منَ الإنسانِ أوْ عليْهِ على غيِر إرادةٍ مِنْهُ وهيَ ليستْ في مَقْدورِهِ فهيَ داخِلَةٌ في الدائرةِ الَّتي تُسيطِرُ عليْهِ، فهذهِ الأفعالُ كلُّها الَّتي حصلتْ في الدائرةِ الَّتي تسيطرُ على الإنسانِ هيَ الَّتي تُسَمَّى قَضَاءً، لأنَّ اللهَ وحدَهُ هوَ الَّذي قَضاهُ. ولذلكَ لا يحاسبُ العبدُ على هذهِ الأفعالِ مَهْمَا كانَ فيهَا منْ نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ أوْ حُبٍّ أوْ كراهِيَّةٍ بالنسبةِ للإنسانِ، أيْ مهما كانَ فيها منْ خيرٍ وشرٍ حَسَبَ تفسيِر الإنسانِ لهَا، وإنْ كانَ اللهُ وحدَهُ يعلمُ الشرَّ والخيرَ في هذهِ الأفعالِ، لأنَّ الإنسانَ لا أثرَ لَهُ بِهَا. ولا يعلمُ عنهَا ولا عنْ كَيْفِيَّةِ إيجادِهَا، ولا يملِكُ دفعَهَا أوْ جَلْبَهَا مُطْلَقاً، وعلى الإنسانِ أنْ يُؤْمِنَ بِهذا القضاءِ وأنَّهُ منَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى.

أمَّا القَدَرُ فهوَ أَنَّ الأفعالَ الَّتي تحصُلُ سواءً أكانَتْ في الدائرةِ الَّتي تسيطِرُ على الإنسانِ أو الدائرةُ الَّتي يسيطِرُ عليْهَا تقعُ منَ أشياءٍ وعلى أشياءٍ منْ مادَّةِ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، وقدْ خلقَ اللهُ لهذِهِ الأشياءِ خَواصٌ مُعَيَّنَةٌ، فخلَقَ في النارِ خاصِّيَّةِ الإحراقِ، وفي الخشبِ خاصِّيَّة الاحتراقِ، وفي السكِّينِ خاصِّيَّةَ القطعِ، وجعلهَا لازمةً حَسَبَ نظامِ الوجودِ لا تتخلَّفُ.

وحينَ يظهرُ أنَّهَا تخلَّفَتْ يكونُ اللهُ قدْ سَلَبَهَا تِلكَ الخاصِّيَّةِ وكانَ ذلكَ أمْراً خارِقاً لِلْعادَةِ. وهوَ يحصُلُ للأنبياءِ ويكونُ مُعْجِزَةً لهمْ، وكَمَا خلقَ في الأشياءِ خاصِّيَّاتٍ كذلكَ خلقَ في الإنسانِ الغرائِزَ والحاجاتِ العُضويَّةِ وجعلَ فيهَا خاصِّيَّاتٍ معيَّنةً كَخَوَاصِّ الأشياءِ فخلقَ في غريزةِ النَوْعِ خاصِّيَّةَ الميلِ الجنسيِّ، وفي الحاجاتِ العضويَّةِ خاصِّيَّاتٌ كالجوعِ والعطشِ ونحوَهُما، وجعلها لازمةً لها حَسَبَ سنّةِ الوجودِ. فهذهِ الخاصِّيَّاتُ المعينةُ الَّتي أوجدَها اللهُ سبحانه تعالى في الأشياءِ وفي الغرائزِ والحاجاتِ العضويَّةِ الَّتي في الإنسانِ هيَ الَّتي تُسمَّى القَدَرَ، لأنَّ اللهَ وحدَهُ هوَ الَّذي خلقَ الأشياءَ والغرائزَ والحاجاتِ العضويَّةِ وقَدَّرَ فيها خواصَّهَا.

وهيَ ليستْ مِنْها ولا شأنَ للعبدِ فيها ولا أثرَ لهُ مطلقاً. وعلى الإنسانِ أنْ يُؤمنَ بأنَّ الَّذي قَدَّرَ في هذهِ الأشياءِ الخاصِّيَّاتِ هوَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى. وهذهِ الخاصِّيَّاتُ فيها قابليةٌ لأنْ يعملَ الإنسانُ بواسطَتِهَا عملاً وَفْقَ أوامرِ اللهِ فيكونَ خيراً أو يُخالفَ أوامرَ اللهِ فيكونَ شرَّاً، سواءً في استعمال الأشياءِ بخواصِّها أو باستجابتِهِ للغرائزِ والحاجاتِ العضويَّةِ خيراً إنْ كانتْ حَسَبَ أوامرِ اللهِ ونواهيهِ، وشرَّاً إنْ كانتْ مُخالفةً لأوامرِ اللهِ ونواهيهِ.

ومنْ هنا كانتْ الأفعالُ الَّتي تقعُ في الدائرةِ الَّتي تسيطرُ على الإنسانِ منَ اللهِ خيراً أو شرَّاً، وكانتْ الخاصِّيَّاتُ الَّتي وُجِدَتْ في الأشياءِ والغرائزِ والحاجاتِ العضويَّةِ منَ اللهِ سواءً أنتجتْ خيراً أو شرَّاً، ومنْ هنا كانَ لزاماً على المسلمِ أنْ يؤمِنَ بالقضاءِ خيرِهِ وشرِّهِ منَ اللهِ تعالى، أيْ أنْ يعتقدَ أنَّ الأفعالَ الخارجةَ عنْ نطاقِهِ هيَ منْ اللهِ تعالى، وأنْ يؤمنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ منَ اللهِ تعالى، أيْ يعتقدَ بأنَّ خواصَّ الأشياءِ الموجودةِ في طبائِعِهَا هيَ منَ اللهِ تعالى. سواءً ما أنتجَ منْهَا خيراً أمْ شرَّاً، وليسَ للإنسانِ المخلوقِ فيها أيُّ أثرٍ، فأجلُ الإنسانِ ورِزْقُهُ ونفسُهُ كلُّ ذلكَ منَ اللهِ، كما أنَّ الميلَ الجِنْسِيَّ والميلَ للتملُّكِ الموجودِ في غريزَتَيْ النوعِ والبقاءِ، والجُوعَ والعطشَ الموجود في الحاجاتِ العضويَّةِ كلِّهَا منَ اللهِ تعالى.

هذا بالنسبةِ للأفعالِ الَّتي تقعُ في الدائرةِ الَّتي تسيطرُ على الإنسانِ وفي خواصِّ جميعِ الأشياءِ. أمَّا الدائرةُ الَّتي يسيطرُ عليها الإنسانُ فهيَ الدائرةُ الَّتي يسيُر فيها مختاراً ضِمْنَ النظامِ الَّذي يختارُهُ سواءٌ شريعةَ اللهِ أو غيرِهَا، وهذهِ الدائرةُ هيَ الَّتي تقعُ فيها الأعمالُ الَّتي تَصْدُرُ منَ الإنسانِ أوْ عليهِ بإرادتِهِ، فهوَ يمشي ويأكلُ ويشربُ ويسافرُ في أيِّ وقتٍ يشاءُ، ويمتنعُ عنْ ذلكَ في أيِّ وقتٍ يشاءُ وهوَ يحرقُ بالنارِ ويقطعُ بالسكِّينِ كما يشاءُ، وهو يُشْبِعُ جَوْعَةَ النَوْعِ، أوْ جوعةَ المُلْكِ، أوْ جوعةَ المَعِدَةِ كما يشاءُ، يفعلُ مختاراً. ويمتنعُ عنْ الفعلِ مختاراً، ولذلكَ يُسألُ عنِ الأفعالِ الَّتي يقومُ بهَا ضِمْنَ هذهِ الدائرةِ.

وإنَّهُ وإنْ كانتْ خاصِّيَّاتُ الأشياءِ، وخاصِّيَّاتُ الغرائزِ، والحاجاتُ العضويَّةُ، الَّتي قدَّرَهَا اللهُ فيها وجعلَها لازمةً لها هيَ الَّتي كانَ لها الأثرُ في نتيجةِ الفعلِ، لكنَّ هذهِ الخاصِّيَّاتِ لاتُحْدِثُ هي عملاً، بلْ الإنسانُ حينَ يستعمِلُهَا هوَ الَّذي يُحْدِثُ العملَ بهَا، فالميْلُ الجِنْسِيُّ الموجودُ في غريزةِ النوعِ فيهِ قابليَّةٌ للخيرِ والشرِّ، والجوعُ الموجودُ في الحاجةِ العضويَّةِ فيهِ قابليَّةٌ للخيرِ والشرِّ، لكنَّ الَّذي يفعلُ الخيرَ والشرَّ، هوَ الإنسانُ وليستْ الغريزةَ أوِ الحاجةَ العضويَّةَ، وذلكَ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى خلقَ لِلإنسانِ العقلَ الَّذي يميِّزُ، وجعلَ في طبيعةِ العقلِ هذا الإدراكَ و التمييزَ، وهدى الإنسانَ لطريقِ الخير والشرِّ }وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْن{، وجعلَ فيها إدراكَ الفُجورِ والتَقْوى }فَألْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{. فالإنسانُ حينَ يستجيبُ لغرائزِهِ وحاجاتِهِ العضويَّةِ وَفْقَ أوامرِ اللهِ ونواهيهِ يكونُ قدْ فعلَ الخيرَ وسارَ في طريقِ التقوى، وحينَ يستجيبُ للغرائزِ والحاجاتِ العضويَّةِ وهوَ مُعْرِضٌ عنْ أوامرِ اللهِ ونواهيهِ يكونُ قدْ فعلَ الشرَّ وسارَ في طريقِ الفجورِ، فكانَ في كلِّ ذلكَ هوَ الَّذي يقعُ منهُ الخيرُ والشرُّ، وعليهِ يقعُ الخيرُ والشرُّ، وكانَ هوَ الَّذي يستجيبُ للجوعاتِ وَفْقَ أوامرِ اللهِ ونواهيهِ فيفعلُ الخيرَ، ويستجيبُ لها مخالِفاً لأوامرِ اللهِ ونواهيهِ فيفعلُ الشرَّ. وعلى هذا الأساسِ يُحاسبُ على هذهِ الأفعالُ الَّتي تقعُ في الدائرةِ الَّتي يسيطرُ عليها فَيُثَابُ ويُعاقبُ عليْهَا، لأنَّهُ قامَ بها مختاراً دونَ أنْ يكونَ عليهِ أيُّ إجبارٍ. على أنَّ الغرائزَ والحاجاتِ العضويَّةِ وإنْ كانتْ خاصِّيَّتُهَا هيَ منَ اللهِ، وقابليَّتُهَا للشرِّ والخيرِ هيَ منَ اللهِ، لكنَّ اللهَ لمْ يجعلْ هذهِ الخاصِّيَّةَ على وجهٍ مُلْزِمٍ للقيامِ بها، سواءً فيما يُرضي اللهُ أوْ يُسخِطُهُ، أيْ سواءً في الشرِّ أوِ الخيرِ، كما أنَّ خاصِّيَّةَ الإحراقِ لمْ تكنْ من وجهٍ يَجْعَلُها مُلْزِمَةً في الإحراقِ، سواءً في الإحراقِ الَّذي يُرضي اللهَ أوْ الذي يُسْخِطُهُ، أيِ الخيرِ و الشرِّ، وإنَّمَا جُعِلَتْ هذهِ الخاصِّيَّاتُ فيها تُؤَدِّيهَا إذا قامَ بها فاعلٌ على الوجهِ المطلوبِ. واللهُ حينَ خلقَ الإنسانَ وخلقَ لهُ هذهِ الغرائزَ والحاجاتِ وخلقَ لهُ العقلَ المميِّزَ أعطاهُ الاختيارُ بأنْ يقومَ بالفعلِ أوْ يتركَهُ ولمْ يُلْزِمْهُ بالقيامِ بالفعلِ أوِ التركِ. ولمْ يجعلْ في خاصِّيَّاتِ الأشياءِ والغرائزِ والحاجاتِ العضويَّةِ ما يُلْزِمُهُ على القيامِ بالفعلِ أوِ التركِ، ولذلكَ كانَ الإنسانُ مختاراً في الإقدامِ على الفعلِ والإقلاعِ عنْهُ، بما وهبَهُ اللهُ منَ العقلِ المُمَيِّزِ، وجعلَهُ مَنَاطَ التكليفِ الشرعيِّ، ولهذا جعلَ لهُ الثوابَ على فعلِ الخيرِ، لأنَّ عقلَهُ اختار القيامَ بأوامرِ اللهِ واجتنابِ نواهيهِ، وجعلَ لَهُ العقابَ على فعلِ الشرِّ، لأنَّ عَقْلَهُ اختارَ مخالفةَ أوامرِ اللهِ وعمِل ما نهى عنهُ باستجابتِهِ للغرائزِ والحاجاتِ العضويَّةِ على غيرِ الوجهِ الَّذي أمرَ بهِ اللهُ. وكانَ جزاؤُهُ على هذا الفعلِ حقَّاً وعدلاً، لأنَّهُ مختارٌ في القيامِ بهِ، وليسَ مجبراً عليهِ. ولا شأنَ للقضاءِ والقدرِ فيهِ. بلِ المسألةُ هيَ قيامُ العبدِ نفسُهُ بفعلِهِ مختاراً. وعلى ذلكَ كانَ مسؤولاً عمَّا كَسَبَهُ }كُلُّ نَفْسٍ بما كَسَبَتْ رَهينَةً{.

أمَّا علمُ اللهِ تعالى فإنَّهُ لا يُجْبِرُ العبدَ على القيامِ بالعملِ لأنَّ اللهَ علمَ أنَّهُ سيقومُ بالعملِ مختاراً، ولم يكنْ قيامَهُ بالعملِ بناءً على العلمِ، بلْ كانَ العلمُ الأزَلِيُّ أنَّه سيقومُ بالعملِ. وليستْ الكتابةُ في اللَّوْحِ المحفوظِ إلاَّ تعبيراً عنْ إحاطةِ علمِ اللهِ بكلِّ شيءٍ.

وأمَّا إرادةُ اللهِ تعالى فإنَّها كذلكَ لا تُجْبِرُ العبدَ على العملِ، بلْ هيَ آتيةٌ منْ حيثُ أَنَّهُ لا يقعُ في مُلْكِهِ إلاَّ ما يريدُ: أيْ لا يقعُ شيءٌ في الوجودِ جبراً عنهُ. فإذا عملَ العبدُ عملاً ولم يمنعْهُ اللهُ مِنْهُ ولمْ يُرْغِمْهُ عَلَيْهِ، بل تركه يفعل مختاراً،كانَ فعله هذا بإرادة الله تعالى لا جبراً عنه،وكانَ فعلَ العبدِ نفسهِ باختيارِهِ، وكانت الإرادةُ غيرَ مُجْبِرَةٍ على العملِ.

هذهِ هيَ مسألةُ القضاءِ والقدرِ، وهيَ تحملُ الإنسانَ على فعلِ الخيرِ و اجتنابِ الشرِّ حينَ يعلمُ أنَّ اللهَ مُرَاقِبُهُ ومحاسِبُهُ، وأنَّهُ جعلَ لهُ اختيارَ الفعلِ و التركِ، وأنَّهُ إنْ لمْ يُحسِنْ استعمالَ اختيارِ الأفعالِ، كانَ الويلُ لهُ والعذابُ الشديدُ عليهِ، ولذلكَ نجدُ المؤمِنَ الصادقَ المدركَ لحقيقةِ القضاءِ والقدرِ، العارفَ حقيقةَ ما وهبَهُ اللهُ منْ نعمةِ العقلِ والاختيارِ، نجدُهُ شديدَ المراقبةِ للهِ، شديدَ الخوْفِ منَ اللهِ، يعملُ للقيامِ بالأوامرِ الإلهيَّةِ ولاجتنابِ النواهي، خوفاً منْ عذابِ اللهِ وطَمَعاً في جَنَّتِهِ وحُبَّاً في اكتسابِ ما هوَ أكبرُ منْ ذلكَ ألا وهوَ رِضوانُ اللهِ سبحانَهُ وتعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alhoob-alsdagh.ba7r.org
????
زائر



مُساهمةموضوع: رد: كتاب نظام الاسلام من صفحة 1 لغاية صفحة 21   2011-08-01, 11:14 am

} يا أَيُّهَا الذينَ
آمَنُوا آمِنُوا باللهِ وَرسُولِهِ والكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى
رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ومَنْ يَكْفُرْ
بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ
ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً {.

جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب نظام الاسلام من صفحة 1 لغاية صفحة 21
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نبيل - القدس :: اخبار - مقالات سياسية - :: قضايا للمناقشة-
انتقل الى: